الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
أيها المسلمون، إن بعض الناس يقولون بألسنتهم: إننا نخاف الله تعالى، ولكن هذه دعوى:
والدعاوى إن لم تقم بينا ... ت عليها أصحابها أدعياء
فالبراهين هي التي تكشف عن صدق القائلين أو كذبهم. فالخوف الصادق هو الذي يجعل صاحبه من المسابقين إلى الطاعات فرضها ونفلها. والخوف الصادق هو الذي يحجز الإنسان عن الإسراف على نفسه بالذنوب والمجاهرة بها والإصرار عليها. قال تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا} الإنسان 9 {إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} [الإنسان 9 - 10] .
وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل) [1] .
فاختبر نفسك أيها المسلم هل أنت من أهل الخوف من الله تعالى أو لا؟ انظر كم رصيدك من الطاعات والأعمال الصالحات، وانظر حالك مع الذنوب وكيف إقبالك عليها، وهل أنت من التائبين منها أو من المصرين عليها؟. إن الخوف الصادق هو الذي يجعل صاحبه مفكرًا بالآخرة يتذكرها ويعمل لها ويجعلها أكبر همه. فامتحن نفسك -أيها الإنسان- لتنظر صدق خوفك وكم نصيب الآخرة من قلبك ومن ليلك ونهارك، وكم نصيب الدنيا في ذلك، وما الأرجح منهما؟.
أيها المسلمون، إن الخوف من الله تعالى هو روح الحياة السعيدة في هذه الدنيا. فما أجمل أن يكون الإنسان من أهل الخوف الصادق من الله تعالى.
وما أحسن المجتمع حينما ترفرف عليه أعلام الخوف من الله في كل أرجائه. فلا يرى الناس عند ذلك إلا ما يسر ويسعد ويفرح. ولا مكان عند ذلك للجريمة والخديعة والشقاء والاضطراب والقلق.
فيا عباد الله، يا من عرفتهم لماذا خلقتم إلى هذه الدنيا ازرعوا في نفوسكم الخوف من الجبار في الليل والنهار؛ لتَسعدوا ولتُسعدوا وربوا أهاليكم وأولادكم ومن ولاّكم الله
(1) رواه الترمذي والحاكم، وهو صحيح.