أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي نبيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الناس، هناك أمر أضاعه كثير من المسلمين وغفلوا عنه، مع أنه رأس مالهم في الحياة، والعجيب أن بعض الكافرين يهتمون به أكثر من كثير من المسلمين، واستفادوا منه حتى ظهرت آثار استفادتهم منه في الواقع بما يبهر العقول. هذا الأمر هو موضوع الوقت.
لقد اعتنى القرآن الكريم بموضوع الوقت عناية كبيرة من وجوه عديدة، فمن ذلك أنه تعالى جعله نعمة من النعم التي سخرها للإنسان. فقال تعالى: {وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [إبراهيم 33] .
والزمن إنما هو الليل والنهار. ومن ذلك: أن الله تعالى أقسم ببعض الأوقات؛ وذلك لأهمية الوقت. فأقسم تعالى بالفجر وبالضحى وبالعصر وبالليل وبالنهار.
عباد الله، لقد قسم الله تعالى عمر الإنسان فجعله سنين وشهورًا وأيامًا وساعات. وجعل في هذه الأوقات عبادات تضبط وقت المسلم لتكون هي ميزان الوقت كله.
فميزان اليوم والليلة: الصلوات الخمس، وميزان الأسبوع: الجمعة، وميزان العام: رمضان، وميزان العمر: الحج، فمن ضيع ميزانه فقد ضيع رأس ماله وربْحه معًا.
إن وقت الإنسان هو حياته وعمره، فمن أذهب وقته فيما لا ينفعه عند ربه فقد أذهب حياته وعمره؛ لأن الدنيا لا تعمر إلا باستغلال الوقت، والدين لا يتم ولا يكمل لصاحبه إلا باستغلال الوقت.
فما الذي أوصل العلماء العظماء إلى مراتب العظمة وجعلهم في منازل عالية من الحفظ والفهم والتفكير والإنتاج النافع لغيرهم في حياتهم وبعد مماتهم؟ إنه استغلال الوقت ومعرفة قيمة الزمن.
وما الذي بلغ ببعض العباد إلى الآفاق السامية من كثرة العبادة والدأب عليها إلا استثمار الوقت وصرفه في هذا الجانب العظيم.
وفي عصرنا الحاضر نرى الكفار جعلوا للوقت أهمية كبيرة، ومن إدراكهم ذلك بنوا الحياة الحديثة بما أفرزته عقولهم من النظريات، وما أنتجته من المخترعات. فقد كان