أيها الناس، اعلموا أن الحياة الدنيا منزل موقوت، كل من فيها يموت، ولا يبقى إلا الحي القيوم الذي يحيي ويميت. قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن 26 - 27] .
فالموت نهاية كل مخلوق على هذه الدار، لينتقل بعد ذلك إلى حياة أبدية في الجنة أو النار.
{ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [الأنعام 62] .
وهذه النهاية التي تنتظر كل حي نهاية لا يعلمها إلا الله تعالى، فالآجال بيد علام الغيوب، فلا يدري أحد من الخلق متى يموت وأين يموت. قال تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} لقمان 34].
عباد الله، إن إخفاء زمن موت الإنسان عنه له حكم وغايات كثيرة، لعل من أظهرها: أن يبقى الإنسان على استعداد دائم للموت بملازمة الطاعات وهجر السيئات، فيكون عبدًا لله حقًا حتى يأتيه اليقين وقد ربا رصيده من الحسنات وصلحت روحه للاستقرار في تلك الغرفات في الجنة. قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر 99] .
أيها المسلمون، ألا وإن من الاستعداد المطلوب: أن يحرص كل مسلم ذكرًا كان أم أنثى على إبراء ذمته من الحقوق التي عليه للناس، ومن حقوقه لدى غيره. فينظر إلى الديون التي عليه فيوثقها بالكتابة الواضحة حتى لا تضيع حقوق الناس بعد موته فيحمل وزر ذلك يوم القيامة، مع ما يحصل بعد الموت بين الورثة وأهل الديون من الخلاف والتنازع.
ويسجل أيضًا ما وجب عليه من الكفارات والنذور والوعود والزكوات ونحو ذلك، إن كان عليه من ذلك شيء. وينظر كذلك إلى أمواله المدينة عند الناس فيوثقها بالوثائق الصحيحة التي تثبت له هذا الحق لدى غيره، حتى لا يضيع جزء من ماله على ورثته بعد موته. وهذه هي الوصية الواجبة على المسلم؛ لأن هذه الامور حقوق واجبة عليه.
وهناك وصية مستحبة، وتكون بتخصيص إنسانٍ جزءًا من ماله يوصي به ليصرف في وجوه الخير من صدقة على الفقراء والمحتاجين، ومن بناء مساجد أو دور للعلم والاستشفاء أو نحو ذلك من أبواب الخير.