عباد الله، إن الناظر إلى حياة أسلافنا الصالحين ليرى أنهم كانوا يعيشون في سعادة وطيب حياة، لا يكدرها الهم، ولا ينقصها الحزن، وكثير من الناس في هذه الأيام غارق في القلق والهموم والأحزان والأمراض النفسية، ففتحت لأجلها مشافي، وعيادات خاصة، وما كان أولئك السعداء السابقون بأحسن دنيا منا بوسائلها الحديثة، وأنظمتها السريعة، وسهولة لقمة العيش، فنحن اليوم في عصر التكنولوجيا الحديثة التي قربت البعيد، وأنطقت الحديد، وسهل الله بها كثيرًا مما صعب على من قبلنا، فلماذا ضاق عيشنا أكثر منهم، وتكدرت حياتنا، ورغدت حياتهم؟!
إن من وراء ذلك أنهم عاشوا مؤمنين بالله وقضائه وقدره، واكتفوا من عيشهم بما قُسم لهم، وعملوا ولم يعرفوا فراغ حضارتنا الحديثة، وحيوا متحابين متآلفين، معتزين بهذا الدين، حاملين له ومبلغين غيرهم، ومدافعين عنه أعداءهم بالجهاد في سبيل الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى؛ فإنه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم) [1] .
عباد الله، لا يمكن أن يعيش الإنسان في هذه الحياة دون أن يمرّ به يوم شرور، كما مرَّ به يوم سرور، لكن ما يميز المؤمنَ أنه يعرف طبيعة هذه الدنيا: بأنه لا راحةَ تامةً، ولا سعادة مكتملة فيها، فهي سجن في حقيقتها عما ينتظره في دار البقاء، ويصيب الكافرَ من الشقاء والعناء أعظم مما يصيب المؤمن، وإن رؤي بين الناس أنه في نعيم، لكن ذلك الشقاء يعتبر جنة له أمام ما ينتظره من العذاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) [2] .
فلا يستريح المؤمن راحة تامة إلا بإطلاق أسره من قيد الدنيا كما جاء في الحديث
: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم مُرّ عليه بجنازة فقال: (مستريح ومستراح منه) . قالوا: يا رسول الله، ما المستريح والمستراح منه؟ قال: (العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب) [3] .
فالراحة والسعادة التي لا كدر ولا حزن فيها هناك هناك في جنة عرضها الأرض والسموات.
أيها الناس، إن أردتم السعادة والحياة الطيبة فما أقرب طريقها! ولكن أين السالكون؟.
(1) رواه أحمد وابن حبان، وهو حسن.
(2) رواه مسلم.
(3) متفق عليه