وقال عليه الصلاة والسلام: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء) [1] .
إخوتي الكرام، إن الفراغ يصنع المشكلات، ويخلق الأزمات، ومن أعظم مشكلاته:
جلب الهموم والأحزان، والقلق والأكدار.
وإن الانشغال بالعمل المباح المحبوب للنفس مشغلة عن ذلك، ومسلاة عما يطرأ منه، وملهاة عن كتائب الأمراض النفسية التي تعشعش في قلوب الفارغين وعقولهم.
ولهذا حث الإسلام على العمل، ونبذ الفراغ والكسل، سواء كان هذا العمل جسديًا أم ذهنيًا؛ فإنه يقضي على الفراغ القاتل الذي يولِّد الكآبة والغم.
ويكفي المنشغلَ بعمل من الأعمال أن يذهب عن نفسه أمراض الفراغ، وأن يقوت نفسه ومن يعول، فإن رأى من هو أعلى منه في الدنيا فلا يحزن ولا يهتم، بل ينظر إلى من هو أدنى منه؛ لئلا يزدري نعمة الله عليه؛ فإن من نظر إلى من هو فوقه في الدنيا بعين التطلع إلى نيل ما نال -ولم يكن عنده نصيب من الإيمان بالقضاء والقدر، ومعرفة تقلبات الدنيا، ومعرفة الحياة الحقيقية- فإنه سيعيش في شقاء وهم وغم.
وليكن المرء المسلم -عباد الله- ابن يومه الحاضر، لا يحزن على أمسه الفائت، ولا يهتم اهتمامًا مضرًا بغده الآتي.
ما فات مات والمؤمل غيبٌ ... ولك اليوم الذي أنت فيه
ولأجل هذا استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهم والحزن؛ لعظم جنايتهما على سعادة الإنسان وراحته.
و الهم يكون على المستقبل والحزن على الماضي
وما أصدقَ لسان الشافعي يوم قال -منشرحَ الصدر-:
إذا كان عندي قوتُ يومي ... طرحتُ الهمَّ عني يا سعيد
ولم تخطر هموم غدٍ ببالي ... ... فإن غدًا له رزق جديد
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، أما بعد:
(1) رواه الطبراني، وهو حسن.