فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 773

معشر المسلمين، شقي الظالمون -والله- وما سعدوا، وما وجدوا الراحة ولا طعموا. كيف يسعدون وهم يتعدون على حقوق خلق الله: سفكًا أو هتكًا أو ضربًا أو نهبًا؟! فما أشقى الظالم وأتعسه، وأرداه وأبأسه!

ألا وإن من الظلم -يا عباد الله- الحقد على الآخرين وحسدهم، فقد تعتصر قلوب بعض الناس كرهًا وبغضًا على أناس لا يستوجبون الكره، في أشياء لا تستحق البغض! فيظل الحقود في ليل بهيم من الكآبة والضيق، لا يرى راحة ونورًا إلا بمصيبة تنزل على من يكرهه بفعله أو بفعل غيره! أفبهذا أمر الاسلام؟ أم لهذا دعا الخلق الكريم المبني على سلامة الصدر للآخرين، والعفو عنهم وإرادة الخير لهم؟!

وقد يحمله حقده إلى حسد من يكره متمنيًا زوال نعمة ينعم بها، ومن العجب أن محسوده في نعماء، وهو في شقاء، عينه أ وسمعه في نعيم ولكن قلبه وصدره في جحيم.

فمن أراد السعادة-يا عباد الله- فليترك الظلم والحقد والحسد؛ فإنها مغارم لا مغانم، ووصائل داء لا أسباب شفاء.

إن الفرق شاسع والبون واسع بين صاحب تلك الأدواء الماضية- الظلم والحقد والحسد- وبين من يحسن إلى الناس، بل إلى كل خلق الله ناطقه وبهيمه، يبذل المعروف وينجد الملهوف، يحنو على الضعيف ويعطف على الأرملة واليتيم والمسكين، يفرج كُرب المكروبين، ويقضي الدين عن المدينين، ويساعد المحتاجين والسائلين، إن وجد خيرًا أعان عليه، وإن وجد شرًا نأى عنه وحذّر منه، يعيش همَّ الجماعة لا همَّ نفسه، عظيم الإحساس بالآخرين، سليم من الإيذاء لهم، كثير التعاون معهم، لم يقتصر إحسانه على أفراد جنسه، بل يعطف على الحيوان ويحسن إليه ويمد يده لبذل الخير له، حتى الشجر لم يقطعه لغير الحاجه، فإن رأى منه ما يؤذي طريق الآخرين أزاله ونحاه.

إن هذا الإنسان الخيّر ليحيا في بحبوحة من العيش بإحسانه وبذله الخير بين الخلق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) [1] .

(1) رواه مسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت