فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 773

أما بعد:

أيها المسلمون، لقد كان الظلام -في ذلك الوقت- يخيم في كل مكان، والضلال يضرب أطنابه في كل جهة، والجهل هو الحاكم الذي يأمر وينهى فيطاع.

وفي تلك الأحوال القاتمة لا يرى الرائي إلا أصنامًا قائمة، وجباهًا بين يديها ساجدة، وأيادي إليها ممتدة، وقلوبًا فيها راغبة وراهبة.

عاش الكون آنذاك في شك وحيرة، وعمى وتخبط، لم ير نورَ يدٍ تنتشله من عمهه ولياليه المدلهمة.

حتى أذن الله بسطوع صباح أضاء الخافقين، فجاء إلى الثقلين، فملاء الوجود صفاء ونقاء، وكسا الأرض بهاء وسناء.

فتبسمت الأرجاء بانبلاج هذا الفجر الصادق

وتوالت بشرى الهواتف أن قد ... ولد المصطفى وعم الهناء

ولد الهدى فالكائنات ضياء ... وفم الزمان تبسم وثناء

وتعطر الكون الفسيح بنوره ... وتوالت الأنوار والأنداء

عباد الله، إن الله تعالى أكرم آخر الأمم بإرسال خير الأنبياء والمرسلين إليها؛ ليكون شاهدًا ومبشرًا ونذيرا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرا. فأخرج الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من خير بقاع الأرض كلها، وجاء به من أشرف نسب في العرب ممتدًا إلى نبي الله إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، فهو خيار من خيار من خيار.

لقد تربى رسول الله وعين الله ترعاه، وتحرس سيره وخطاه من كل شائبة في عقله وعمله وخُلقه. فما قارف الآثام، ولا مال إلى الأصنام. ولا وصلت إليه يد حقدٍ يهودية بالقتل والإيذاء وقد أرادت ذلك فحال الله بينهم وما يشتهون.

طابت سريرته، وحمدت سيرته بين قومه قبل بعثته وبعدها، فكان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم سلوكا، وألطفهم معاشرة، وألينهم قلبا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا، وآمنهم أمانة، وأعزهم جوارا، وأكرمهم خيرا، وأعفهم نفسا، وأبرهم عملا، وأوفاهم عهدا، وأوسعهم كرمًا ورفدا.

يحمل الكَل ويُكسب المعدوم ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت