خالط قومه في الخير والجد، وفارقهم في الهزل والباطل، وكان قد حُبب إليه البعد عن بيئة الجاهلية المظلمة، فاتخذ غار حراء ملاذًا للقلب والروح والفكر، يتأمل في هذا الوجود الفسيح وتخبطه في دياجير الظلمات. فيجد في هذه البقعة النائية سعادة واطمئنانًا لا يجده في غيرها.
حتى بلغ سن الأربعين فجاءه الحق بالنبوة في ليلة من ليالي غار حراء الغراء فقال له: (اقرأ، قال: ما أنا بقارئ،-أي: لا أستطيع القراءة-فردد جبريل عليه السلام ذلك ثلاثًا، ورسول الله يقول: ما أنا بقارئ.
فقال جبريل في الرابعة-قارعًا سمعه ببواكير وحي السماء من عند الله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ 1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ {3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {4} {عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق 1 - 5] .
أيها المسلمون، إن ذلك المجيئ المفاجئ والطارق الجديد المشرق في تلك الساعة الصامتة قد أفزع قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى زوجه خديجة بنت خويلد رضي الله عنها راجف الفؤاد، مرتعد البدن يطلب منها التدثير والتزميل، وأخبرها بما حدث، فطمأنته وسكنت من روعه، وحلفت له أن الله لن يخزيه، ولن يخيب سعيه، فبُر قسمها، حين رفع الله له ذكره، وأعلى شأنه، وجعل دينه الطريق الوحيد إلى النجاة من خزي الدنيا والآخرة.
ثم توالى الوحي بعد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسله الله رحمة للعالمين، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء 107] .
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا الدين القريبَ والبعيد، والنائي والصديق، والحر والعبد، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعربي والعجمي.
فلقي من قومه صنوف الأذى فقالوا: كذاب، وهم الكَذَبة، وقالوا: ساحر وكاهن، وهم يعرفون في قرارة أنفسهم أنه ليس كذلك، ولكن ماذا يقولون للناس ليصدوهم عن محمد الذي يمتد نوره إلى القلوب يومًا بعد يوم؟
{قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام 33] .
سبوه وشتموه، سخروا منه ورجموه، وألقوا عليه سلا جزور، وهو مع ذلك رابط الجأش، ماضٍ في طريقه لا يلوي على شيء قائلًا: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وقال: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا.