فعظَّمَ ذلك جماعةٌ ينتسبون إلى المذهب، فحَمَلْتُ أمرَهم على أنهم عوامُّ، وأهملتُ فكر ذلك، وإذا بهم قد كتبوا فتاوى، فكتب فيها جماعةٌ من أهل خُراسان منهم أبو العلاء الهَمَذاني، يُعظمون هذا القولَ ويردُّونَه، ويُقَبِّحون قولَ من قاله، فبقيتُ دَهِشًا متعجبًا، وقلتُ في نفسي: وا عجبًا، صار المنتسبونَ إلى العلم عامَّةً أيضًا! وما ذاك إلا أنهم سَمِعُوا الحديثَ، ولم يَبحَثُوا عن صحيحه وسقيمه، وظنوا أنَّ مَنْ قال ما قلتُه قد تعرَّض للطَّعْنِ فيما أخرجه أحمد، وليس كذلك، فإن الإِمام أحمد روى المشهورَ والجيدَ وَالرديء، ثم هو قد رَدَّ كثيرًا مما روى ولم يَقُلْ به، ولم يجعله مذهبًا له، ومن نظر في كتاب"العلل"الذي صنَّفَه أبو بكر الخلاّل رأى أحاديثَ كثيرةً كلها في"المسند"وقد طعن فيها أحمد, بل الإمام أحمد نفسه ما أنكر ذلك, فقد نقل أبو موسى المديني في"خصائص المسند"عن أبي العز بن كادس: أن عبد الله بن أحمد قال لأبيه: ما تقول في حديث ربعي عن حذيفة؟. قال. الذي يرويه عبد العزيز بن أبي رواد؟. قلت: يصح. قال: لا. الأحاديث بخلافه, وقد رواه الخياط عن ربعي عن رجل لم يسموه قال: قلت له: فقد ذكرته في المسند. فقال: قصدت في المسند الحديث المشهور وتركت الناس تحت ستر الله تعالى , ولو أردت أن أقصد ما صح عندي لم أرو من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء , ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث: لست أخالف ما ضعف إذا لم يكن في الباب ما يدفعه. [1]
ثم ذهب الإمام أحمد للقاء ربة ترك لنا هذا المسند العظيم, لتبدأ رحلة العمل معه لمواصلة خدمة السنة المشرفة, نسأل الله عز وجل أن يجعلنا في ركب هؤلاء بفضله ومنته - لا بعملنا - وأن يرزقنا مرضاته والعمل بطاعته إنه ولي ذلك والقادر عليه ... آمين
(1) - ابن الجوزي"صيد الخاطر" (1/ 313) ط. دار القلم