بدأ تدوين السنة في عصر الصحابة كما ذكرنا قبل ذلك, ولكن في هذا العصر كان التدوين اشمل وأوسع. فأول من كتب ذلك محمد بن شهاب الزهري قال الإمام السيوطي في ألفيته:
أَوَّلُ جامِعِ الحديثِ والأَثَرْ ... اِبْنُ شِهابٍ آمِرًا لَهُ عُمَر
أي عمر بن عبد العزيز أمر محمد بن شهاب الزهري في تدوين السنة حفاظا عليها من العبث والضياع, ثم بعد ذلك صنفت المصنفات في جمع السنة مثل (الموطأت والمسانيد والمعاجم والسنن والصحاح والأجزاء) وغير ذلك مما شأنه الحفاظ على السنة والحديث , وكان من هذه الكتب التي جمعت السنة كتابنا الذي نحن بصدده وهو مسند الإمام احمد بن حنبل - رضي الله عنه -
وهذا المسند الذي ألفه الإمام احمد على مسانيد الصحابة رضوان الله عليهم وشرع في تأليفه منصرفه من رحلته إلى اليمن إلى عبد الرزاق الصنعاني [1] وانتقى أحاديثه - التي زادت عن الخمس و عشرين ألف حديث - انتقاها من سبعمائة ألف حديث" [2] , وكان غايتُهُ جمعُ ما اشْتَهر من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حسبَ رواته من الصحابة - رضي الله عنهم -، وهي طريقة غايتُها الاستيعابُ، وجعل هذا المسند ديوانا لحفظ السنة يرجع الناس إليه وهذا ما أراده الإمامُ أحمد بقوله لابنه عبد الله: احتَفِظْ بهذا"المسند"، فإنه سيكونُ للناس إمامًا. [3] "
فصنف الإمام احمد المسند مرتبا على مسانيد الصحابة, ولكن ظن كثير ممن تلقوا المسند أن كل أحاديثه صحيحة, وذلك لمكانة الإمام أحمد من علم العلل والجرح والتعديل ومعرفة الصحيح من الضعيف, وصار هناك خلاف كبير هل في المسند حديث ضعيف أو معلول؟ وأنكر قوم أن يكون في المسند حديث ضعيف أو معلول اشد الإنكار, حتى أنه حدث ذلك مع الإمام بن الجوزي نفسه, فقال: كان قد سألني بعضُ أصحاب الحديث: هل في"مسند الإمام أحمد"ما ليس بصحيح؟ فقلتُ: نعم.
(1) - خصائص المسند لأبي موسى المديني (1/ 18) , ط. مكتبة التوبة.
(2) - المصدر السابق (1/ 14,13) .
(3) - المصدر السابق (1/ 14) .