ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ، وَإِلَّا فَارْجِعْ» قَالَ: لَتَأْتِيَنِّي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ، وَإِلَّا فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ، فَذَهَبَ أَبُو مُوسَى. قَالَ عُمَرُ: إِنْ وَجَدَ بَيِّنَةً تَجِدُوهُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ عَشِيَّةً، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً فَلَمْ تَجِدُوهُ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ بِالْعَشِيِّ وَجَدُوهُ، قَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، مَا تَقُولُ؟ أَقَدْ وَجَدْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، قَالَ: عَدْلٌ، قَالَ: يَا أَبَا الطُّفَيْلِ مَا يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ ذَلِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَلَا تَكُونَنَّ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيْئًا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ. [1]
إلى آخره من مظاهر اهتمامهم بالسنة, ولقد انتقل هذا الاهتمام إلى التابعين وتعلموا طريقة الصحابة في الحفاظ على السنة ونشرها وتعليمها, ولكن ظهر في عصرهم الفتن والبدع. تلك المحنة التي خرج من رحمها منحة البحث عن الرجال والتفتيش عن حالهم للمحافظة على صحة السنة ونقائها من كل ما يشوبها.
اهتمام التابعين ومن تبعهم بالسنة
فعَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ:"لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ" [2]
وشكوا يوما لعبد الله ابن المبارك هذه الأحاديث الموضوعة _ أي الوضاعون الذين يضعون الأحاديث _ فقال: تعيش لها الجهابذة. ثم تلي قول الله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر (9)
فرحل التابعون أيضا في طلب العلم والحديث وانتشرت رحلاتهم وسعيهم, وللحافظ الخطيب البغدادي كتاب حافل في ذلك سماه"الرحلة في طلب الحديث".وهكذا كان حال من تبعهم إلى أن جاء عصر التدوين ودخل أمر الحفاظ على السنة طورا جديدا. ولا نقول أن السنة لم تدون إلا في القرن الأول والثاني بل
(1) - أخرجه البخاري (2062) ,كتاب البيوع, باب الخروج في التجارة, ومسلم (2154,2153) ,كتاب الآداب, باب الاستئذان, واللفظ له.
(2) - مقدمة صحيح مسلم, باب في أن الإسناد من الدين (1/ 15) . دار إحياء التراث العربي, ت: محمد فؤاد عبد الباقي.