فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 248

قلت: الكذب والباطل واحد. وما قلت: إنه كذب، قال أبو زرعة: هو باطل. وما قلت: إنه منكر، قال هو: منكر، كما قلت. وما قلت إنه صحاح قال أبو زرعة: هو صحاح.

فقال: ما أعجب هذا تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما!! فقلت: فقد (كذا!) ذلك أنا لم نجازف، وإنما قلناه بعلم ومعرفة قد أوتينا.

والدليل على صحة ما نقوله بأن دينار بهرجًا يحمل إلى الناقد فيقول: هذا دينار بهرج، ويقول لدينار هو جيد. فان قيل له: من أين قلت إن هذا بهرج، هل كنت حاضرًا حين بهرج هذا الدينار؟ قال: لا، فإن قيل له: فأخبرك الرجل الذي بهرجه أني بهرجت هذا الدينار؟ قال: لا، قيل: فمن أين قلت إن هذا بهرج؟! قال: علمًا رُزقت. وكذلك نحن رُزقنا معرفة ذلك.

قلت له: فتحمل فص ياقوت إلى واحد من البصراء من الجوهريين، فيقول: هذا زجاج، ويقول لمثله: هذا ياقوت. فإن قيل له: من أين علمت أن هذا زجاج وأن هذا ياقوت، هل حضرت الموضع الذي صنع فيه هذا الزجاج؟! قال: لا، قيل له: فهل أعلمك الذي صاغه بأنه صاغ هذا زجاجًا؟ قال: لا، قال: فمن أين علمت؟ قال: هذا علم رُزقت. وكذلك نحن رُزقنا علمًا لا يتهيأ لنا أن نخبرك كيف علمنا بان هذا الحديث كذب، وهذا حديث منكر، إلا بما نعرفه.» [1]

قلت: و لا يظن أحد أن علماء العلل إنما كانوا يتكلمون بحسب آرائهم المجردة عن النظر والبحث بل كانوا يبذلون الجهد والتعب في معرفة علل الأحاديث, بل أنه ربما توقف الناقد في حديث ما لخفاء علته فلا يقف عليها إلا بعد مدة طويلة.

وقال ابن أبي حاتم: «سمعت أبي يقول: مثل معرفة الحديث كمثل فص ثمنه مئة دينار، وآخر مثله على لونه ثمنه عشرة دراهم» . وقال أيضا: «حدثني أبي؛ أخبرنا

(1) - ابن أبي حاتم"مقدمة الجرح والتعديل" (1/ 349) , باب: ما ذكر من معرفة أبي -رحمه الله- بصحة الحديث وسقيمه. ط. مجلس دائرة المعارف العثمانية, دار إحياء التراث العربي -بيروت, ط: الأولى،1271 هـ 1952 م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت