فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 202

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(27)}

وكان قابيل صاحب زرع، وهابيل صاحب غنم، فقرَّب قابيل ميرة من طعام من أردأ زرعه، وأَضمر في نفسه وقال: ما أُبالي أتُقُبِّل منِّي أم لا؟ بعد أن لا يتزوَّج هابيل أختي، وقرَّب هابيل كبشًا سمينًا من خيار غنمه ولبنًا وزبدًا، وأضمر في نفسه الرِّضى بالله تعالى، فوضعا قربانهما على الجبل، وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت نارٌ بيضاء من السَّماء فأكلتها، وإذا لم تقبل لم تنزل النار وأكلتها السِّباع والطيور.

وقام آدم يدعو، وقيل: كان غائبًا بمكة، فنزلت النار فأكلت الحَمَل والزُّبد واللبن، ولم تأكل من قربان قابيل شيئًا لأنه لم يكن زكيَّ القلب وكان هابيل زكي القلب. قال ابن عباس: فلم يزل الكبش يرعى في الجنَّة حتَّى فدي به إسماعيل، قال: فذلك قوله تعالى: {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا} [المائدة: 27] .

واختلفوا في أي موضع كان القربان: فعامَّة العلماء على أنه كان بالهند في المكان

الذي أهبط فيه آدم، وقال ابن قتيبة في"المعارف": كان بمنى، فمن ثم صار بها مذبح الناس اليوم.

قلت: وهذه من أوهام ابن قتيبة، فإنه لم يوافقه على هذا أحد، وإنَّ الواقعة كانت بالهند.

فإن قيل: فلمَ رُفِعتْ هذه النَّار وهذه الأمَّة أحوج إليها من غيرها؟

فالجواب: إنَّما ارتفعت لطفًا بهذه الأمَّة لأنها كانت تُميِّز الخالص من الكدر، فرُفِعت لئلَّا يفتضح المردود منها.

وقال مجاهد: ولما تقبِّل قربان هابيل بقي في نفس قابيل، وأضمر له السُّوء، وعزم آدم على الحجِّ إلى مكَّة، فلمَّا أراد أن يتوجَّه إلى مكَّة قال للسَّماء: يا سماء، احفظي ولدي بالأمانة فأبت، فقال للأرض والجبال والشجر: احفظوا ولدي بالأمانة فأبوا فقال لقابيل: احفظ ولدي بالأمانة، فقال: نعم، وسترى في ولدك إذا رجعت ما يسرُّك، فذلك قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) } [الأحزاب: 72] ومعناه: حين حمل الأمانة ثم خان.

فلمَّا غاب آدم جاء قابيل إلى هابيل وهو في غنمه فقال له: لأقتلنَّك، قال: ولِمَ؟ قال: لأنَّ الله تقبَّل قربانك وردَّ قرباني، وتنكح أختي الحسناء بغير أمري، وأنكح أختك الدَّميمة، وقد تحدَّث النَّاس أنَّك أفضلُ منِّي، وأنَّ ولدك يفخرون على ولدي. فقال له هابيل: فما ذنبي؟ {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] الذين يتَّقون المعاصي والشرك والقتل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت