وقد أخرج أحمد بن حنبل في"المسند"قال: حدَّثنا عبد الصمد بإسناده عن سَمُرة بن جُندُب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"كانت حوَّاءُ لا يَعيشُ لها وَلَدٌ فَطافَ بها إِبلِيسُ فقال: سمِّيهِ عبدَ الحارِثِ فإنَه يَعيشُ، فَسمَّتهُ فعاشَ، وكَانَ ذلك وَحْيًا من الشَّيطانِ ومِن أَمرِهِ".
وذكر الربيع بن أنس عن ابن عباس قال: أوَّلُ ولدٍ ولدته سمَّته عبد الله، ثم عبد الرحمن، ثم صالحًا ثم سمَّت الثالث أو الرَّابع عبد الحارث، فقال الله تعالى: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} [الأعراف: 190] أي: حظًّا ونصيبًا في التَّسمية لا في العبادة، لا أنَّ الحارث ربُّهما، وإنَّما أنه سبب لنجاة الولد. وقد يسمَّى الرجل عبد فلان على وجه التواضع.
وروي عن ابن عباس موقوفًا عليه ومرفوعًا قال:"خدعها إبليس مرَّتين، مرةً في الجنَّة، ومرَّة في الأرض".
وقال الواقدي: أوَّلُ ولد ولدته قابيل وتوأمته إقليما، وآخِرُ ولد ولدته عبد المغيث وتوأمته أمة المغيث.
وقال مجاهد: اسم قابيل في التوراة: قابين وقاين وقين.
وذكر ابن إسحاق، عن بعض أهل الكتاب: أنَّ حوَّاء حملت في الجنَّة بقاين وهو قابيل وبتوأمته إقليما، فلم تجد عليهما وحمًا ولا وصبًا. ولما وضعتهما لم تر معهما دمًا لطهر الجنة، فلمَّا نزلت إلى الأرض حملت بهابيل وتوأمته ليوذا، فوجدت الوحم والدَّم.
قلت: ولا تصحُّ هذه لوجوه:
أحدها: لعدم صحَّة النقل، فإنَّ أحدًا لم يوافقه على هذا.
والثاني: لأنَّ الجنَّة مُطهَّرة عن الحبل والولادة.
والثالث: لأنَّه لم يذكر قابيل في الهبوط معهم.
والرابع: لاتِّفاق أهل السِّير على أنها حملت به في الدنيا؛ وقد نصَّ عليه الواقدي فقال: أوَّل ولد ولدته في الدنيا قابيل.
وزعمت المجوس أنَّ آدم لم يخالف في النكاح بين البطنين، وأنَّ صلاحَ الحالِ في تزويج الرجلِ بأخته والأم بولدها، وسنذكر عقائدهم في موضعه إن شاء الله تعالى.
والأصحُّ خلاف ما زعموا، لإجماع الأمَّة على أنَّ آدم كان ينكح ولده أيَّ أخواته شاء، إلَّا التي ولدت معه فإنَّه لا تحلُّ له، احتياطًا منه في الفروج، ونظرًا لذوات المحارم، ومراعاة للنسل، فإنه كان قليلًا، وما فعل ذلك إلَّا لضرورة عدمه، فلما كثروا حَرُم ذلك.