فإن قيل: فالعبودية هوانٌ عظيم، ويوسف"الكريم بن الكريم بن الكريم ..."الحديث؟
فالجواب من وجوهٍ:
أحدها: لأنَّه خرج ليلعب واللعب لا يليق بمثله.
وقال أبو حنيفة عبد الوهاب بن النوبي: لم يضحكْ يوسف في مدة البلاء إلَّا ثلاث مرات، حين وقع في البئر قال: من لعب في خدمة مولاه فغيابة الجب مأواه، وحين قُيِّد قال: من لم يخدم مولاه عظُمت بلواه، وحين نودي عليه بالبيع قال: من لم يرض بمولاه تملكه مولًى سواه.
وهذا الضحك منه على وجه التعجب لا على وجه الفرح.
قال: والوجه الثَّاني: فلأنه نظر يومًا في المرآة فأعجبته نفسه، فقال: لو كنت عبدًا لكان ثمني عظيمًا فبيعَ بأَوكس ثمن.
والثالث: ليرحم العبيد إذا ملك، وكذا ابتلاه بالسجن ليرحم المسجونين.
والرابع: لأنَّه جرى في السابق أنَّه يصير ملكًا فراضَه الله بالعبودية.
وقال أبو حنيفة بن النُّوبي: إن الله ابتلى يوسف بعشرة أشياء وعوَّضه بعشرة: ابتلاه بفراق أبيه وعوَّضه بلقائه، وابتلاه بجفاء إخوته ثم عوَّضه سجودهم له، وابتلاه بالجبِّ وأكرمه بمؤانسة جبريل، وابتلاه بالعبودية وعوضه عبودية أهل مصر، وابتلاه بزليخا وعوَّضه بالشاهد، وابتلاه بالنسوة وعوَّضه بتصديقهن {مَا عَلِمْنَا عَلَيهِ مِنْ سُوءٍ} [يوسف: 51] وابتلاه بالهَمَّةِ وعوضه بالعصمة، وابتلاه بالسجن وعوَّضه المُلْك، وابتلاه بالكذب عليه وعوَّضه بالاعتراف {الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} [يوسف: 51] وابتلاه بفرعون ثم أطاعه له حتَّى صار على خزائن الأرض.
فإن قيل: فَلِم قال: {مَعْدُودَةٍ} [يوسف: 20] ونحن نعلم قطعًا أن الدراهم معدودة؟
فالجواب: أنَّه على وجه المبالغة في التحقير، لأنَّ القليل يُعَدُّ، والكثير يوزَن، وما كانوا يَزِنون أقل من أربعين درهمًا، وإنَّما كانوا يَعدونها عَدًّا، فإذا بلغ أربعين وزنوه، لأنَّ ذلك عندهم أوقية. وقيل معناه: باعوه بدراهم ناقصة غير وافية لزهدهم فيه.
واختلفوا في مبلغ عدد الدراهم التي باعوه بها على أقوال:
أحدها: عشرون درهمًا، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة والسدي، اقتسموها درهمين درهمين.
والثاني: بتسعة عشر درهمًا، ونعلين، اقتسموها درهمين درهمين، وأخذ واحد منهم درهمًا مع النعلين، قاله عكرمة.
والثالث: اثنان وعشرون درهمًا، قاله مجاهد.
والرابع: ثلاثون درهمًا، قاله عكرمة.
والخامس: أربعون درهمًا. والأول أصحُّ، ولم يذكر الثعلبي النعلين.
فإن قيل: فما معنى النعلين؟
قلنا: فيه إشارة إلى التواضع، لأنَّ من كان في ثمنه نعلان فهو حقير الثمن، فإذا مَلَكَ مِصرَ لا ينبغي له أن يتكبر بل يتواضع.
قلت: ما جرى على يوسف من أصحاب هذه التأويلات قليلٌ، فإنَّه لو ملك الدُّنيا من المشرق إلى المغرب بالنسبة إلى ما جرى عليه لكان ذلك حقيرًا لا يساوي نعلين.
{وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} [يوسف: 20] يعني إخوته، لأنهم لم يعلموا كرامته على الله تعالى، ولا منزلته عنده، ولا ما يؤول أمره إليه.