فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 202

{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ...(25)}

(فصل في ذكر الجنة وما لله سبحانه على عباده من خلقها من المنّة)

لا خلافَ بين العلماء أنَّها في السماء لقوله تعالى: {عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} [النجم: 14، 15] ولأنَّها دار نَعيم، فتكون من جهة العلوِّ، بخلاف النار فإنها سجن, والسجن يكون في السفل.

وقالت المعتزلة والجهميَّة: إنَّ الجنة لم تخلق بعد، كما قالوا في النار، واحتجُّوا في الجنَّة بقوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ} [القصص: 83] والجعل هو الخَلق، وإنما يخلقها يوم القيامة.

ولنا قوله تعالى {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] والمعدُّ ما يكون موجودًا.

وما احتجوا به فليس المرادُ من الآية الخَلقَ في المستقبل بل في الماضي، أي: جَعَلَها، لئلا يقع التناقضُ بين الاثنين.

وإذا ثبت أنها موجودة فأهلها يتنعَّمون فيها على الأبد كما في أهل النَّار، فإنهم يُعذَّبون فيها على الأبد.

وقال جهم بن صفوان: يبيدان ويفنيان لئلا يصير أهلهما شركاءَ لله تعالى.

ولنا قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) } [الكهف: 107] في آيات كثيرة. وما ذكره فلا نسلِّم أنه يؤدِّي إلى المشاركة، لأنَّ الله تعالى واجب الوجود واجب البقاء مستحيل العدم، والعبد جائز الوجود جائز البقاء، فعدمت المشاركة.

وقد جاءت في فضائل الجنَّة أخبار وآثار منها:

قال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"جِنَانُ الفردَوْسِ أربعٌ ثِنتانِ من ذَهبٍ حِليتُهما وآنيِتُهما وما فيهما، وثِنتانِ من فِضَّة حِليتُهما وآنِيتُهما وما فيهما، وليسَ بين القومِ وبينَ أنْ يَنظُرُوا إلى ربِّهم إلَّا رِداءُ الكِبرياءِ على وَجهِهِ في جنَّةِ عَدْنٍ"أخرجاه في الصحيحين.

وفيهما حديث أبي موسى أيضًا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال:"إنَّ في الجنَّةِ لَخيمَةً مِن دُرَّةٍ مُجَوَّفةٍ عرضُها سِتُّونَ مِيلًا، وفي كُلِّ زاويةٍ منها أهلٌ ما يَرَونَ الآخرينَ، يطوفُ عليهمُ المُؤمنُ".

وفيهما من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقولُ: أعدَدتُ لِعبادي الصَّالحينَ مالا عَينٌ رأَتْ، ولا أُذُنٌ سمعَت، ولا خَطَرَ على قَلبِ بشرٍ".

فإن قيل: فأعلى ما في الجنَّة النَّظر، وقد خطر على قلوبنا أننا نراه، فكيف قال: ولا خطر على قلب بشر؟

فالجواب: أنَّنا في وقت النظر يحصل لنا من اللذة والاستغراق ما لم يخطر على قلب بشر.

وفي الصحيحين أيضًا: عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أوَّل زُمرةٍ تَلِجُ الجنَّة صورتُهم على صورةِ القَمَر ليلةَ البَدْرِ، لا يَبْصُقون فيها ولا يَمْتَخِطون ولا يَتَغوَّطون، آنيتُهم فيها الذَّهبُ، وأَمشَاطُهم من الذَّهب والفِضَّة، ومَجامِرُهم الأُلُوَّة، ورَشحُهم المِسْكُ، ولكلِّ واحدٍ منهم زوجتان يُرى مخُّ ساقهما من وراء اللَّحم من الحُسنِ، لا اختلافَ بينهم ولا تَباغُضَ، قلوبُهم على قَلبِ رَجُلٍ واحدٍ، يُسبِّحونَ الله بُكرةً وعشيًّا".

وفيهما من حديث أبي ذرٍّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أُدخِلتُ الجنَّةَ فإذا فيها جَنابِذُ اللؤلؤ، وتُرابُها المِسْك". والجنابذ: القباب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت