فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 202

{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(59)}

فإن قيل: فقد قال الله تعالى: في موضع: {مِنْ طِينٍ لَازِبٍ} [الصافات: 11] وفي موضع

آخر: {مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} [الرحمن: 14] ، ومن {حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 26] . و {مِنْ تُرَابٍ} [آل عمران: 59] فكيف الجمع بين هذه الآيات؟

فالجواب: إن الألفاظ وإن اختلفت فالمعاني قد اتَّفقت، لأنه كان أوَّلًا ترابًا ثم صار حَمَأً، ثم جفَّ فصار صلصالًا، والصلصلة: الصوت، كان يُنقر فيطنُّ ويُسمع له صوت، اللَّازب: اللازق، والحمأ المسنون: المتغيِّر المنتن، والسلالة: القليل مما ينسل، وآدم استلّ من الأرضِ.

فإن قيلَ: فلمَ خصَّ التراب بخلقه؟

فالجواب: ليكمل به الاستقصَّات الأربع، فيجتمع فيه الطباع المختلفة. ولم يكن قبله خلق من التراب بل من النَّار والماء والريح.

(فصل)

وقال ابن سعد بإسناده عن سلمان الفارسي، أن ابن مسعود قال: خمَّر الله طينةَ آدم أربعين ليلة وأربعين يومًا ثم ضرب بيده فيه فخرج كلُّ طيِّب في يمينه، وخرج كلُّ خبيث في يده الأخرى، ثم خلط بينهما، قال: فمن ثمَّ يُخرج الحيَّ من الميت والميت من الحيِّ.

وروى ابن سعد بإسناده عن عبد الصمد بن مغفل، أنه سمع وهب بن منبه يقول: خلق الله ابنَ آدم كما شاء مما شاء، فتبارك الله أحسن الخالقين، خلق من التراب والماء، فمنه لحمه ودمه وشعره وعظامه وجسده كله، فهذا بدءُ الخلق الذي خلق الله منه ابن آدم.

وقال ابن عباس: أتته النفخة من قبل رأسه، فجعلت لا تجري في شيء إلّا صار لحمًا ودمًا.

وقال ابن سعد بإسناده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إنَّ اللهَ خَلَقَ آدم بيدِهِ".

فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] فقد رُدَّ العلم إلى الله تعالى.

فالجواب من وجهين:

أَحدهما: أن اليهود أرادوا امتحان النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فكان سكوته عن الجواب من أمارات معجزاته، لأنهم قالوا: إن أجاب فليس بنبيٍّ.

والثاني: أنه لا يسعنا أن نقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم سرَّ الروح مع قوله عليه السلام:"فأورَثَني عِلمَ الأوَّلينَ والآخِرينَ"وكان معناه: أنني لا أخبر من ليس بأهل عن هذا السرّ كاليهود، أمّا من هو أهل فنعم.

وقال أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرزاق بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله

-صلى الله عليه وسلم:"إنَّ الله خَلقَ آدمَ على صُورتِه، طولُه ستُّونَ ذراعًا، وقال له: اذهَبْ فسلِّمْ على أولئك النَّفَر من الملائكةِ وهم جُلُوسٌ، واسمع ما يُحيُّونَكَ، فإنَّها تحيَّةُ ذُريَّتِكَ، فجاء فسَلَّم، فقالوا: وَعليك السَّلامُ ورحمةُ الله، فزادوه: ورحمةُ الله، فكلُّ مَن يَدخُلُ الجنَّةَ على صورةِ آدَمَ وطولِه، فلم يَزَلِ الخَلقُ ينقُصُ بعد ذلك"أخرجاه في"الصحيحين".

وقد تكلَّموا على قوله:"خلق آدم على صورته"، قال قوم: الهاء عائدة إلى آدم، ومعناه: على صورته التي خلقه عليها، ومنهم من حمل الصورة على الصفة، وصفات الله ثابتة من السَّمع والبصر ونحوه.

فإن قيل: فقد ورد في حديث"على صورة الرحمن"

فالجواب: أنه لا تصحُّ هذه الرواية.

وروى مجاهد عن ابن عباس قال: إنَّ عرض آدم كان سبعةَ أذرع، وإنَّ نَفَسه كان يؤذي أهل السماء، وكان رأسه يخطُّ السماء فأورثه ذلك الصَّلع، وإن الله حطَّه إلى ستين ذراعًا.

قلت: هذا قول ضعيف لما ذكرنا من بعد المسافة بين السماء والأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت