فالجواب من وجوه:
أحدها: أنَّ الأنبياء قد أمروا بتجويد التحفظ، ومثل آدم لا يسامح.
والثاني: أنَّه خالف، ومخالف الأمر يعاقب وإن كان ناسيًا، فإنَّ من طلَّق امرأته ناسيًا أو ساهيًا أو هازلًا وقع طلاقه، فالنِّسيان معفوٌّ عنه في رفع الإثم دون المؤاخذة، وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام:"عُفيَ لأمَّتي عنِ الخطأ والنسيانِ وما استُكرهوا عليه".
والجواب الثالث: أن بعض العلماء قال: إنه أكل متأَوِّلًا للكراهية دون التحريم.
وقال قتادة: لما أَكَلا منها بدَت لهما سوآتهما، وولَّى آدم هاربًا يستتر بورق الجنَّة، فناداه الله: يا آدم أفرارًا مني؟ قال: لا يا ربِّ، بل حياء منك. فقال: يا آدم اخرج من جواري، فإنَّ من عصاني لا يجاورني في داري. فقال: يا ربّ، هل بعد هذا العتاب رضىً؟ قال: نعم، فقال: الحمد لله [1] .
وقال الربيع بن أنس: امتنع من الخروج من الجنة، فجاءه جبريل فجذب بناصيته للإخراج، فقال: بالأمس تسجدُ لي واليوم تسحبُ بناصيتي؟ ارفق بي، فقال: لا أرفق بمن عصى الله [2] .
وذكر في التوراة: قال الله تعالى: يا آدم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها، قال: إنَّ المرأة أطعمتني، وقالت المرأة: إنَّ الحيَّة أطعمتني، يعني أن إبليس كان يخاطبها على لسان الحيَّة وهو قاعد على أنيابها. فقال الله للحيَّة: من أجل فعلك هذا أنت ملعونة، وعلى بطنك تمشين، وتأكلين التراب، وسأغري بينك وبين ولد المرأة فيطأ رأسك وتلدغين عقبه، وقال لآدم: اخرج من مشرق جنة عدن إلى الأرض التي أخذت منها [3] .
وقال الله لحوَّاء: أنت غررت الرجلَ، وعزَّتي لأعاقِبنَّك بالحيض والنفاس والولادة ونقصان الشهادة، لا تحملين إلا كرهًا، ولا تضعين إلا كرهًا، ثم مسخ الحيَّة إلى هذه الصورة.
وقال وهب: كان لباس آدم في الجنة الظفر يزداد كلَّ يوم جِدَّة وحسنًا، فلما أخرجه من الجنة ألبسه الجلود والصوف. وكان آدم أمرد، فعوقب بإنبات اللحية [4] .
وقال أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرزاق بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"التَقَى آدم مُوسى، فقال له مُوسى: أنتَ آدمُ الذي أَشقَيتَ النَّاسَ وأخرَجتَهُم من الجنَّة؟ فقال له آدمُ: أنتَ مُوسى الذي اصطَفَاك اللهُ برسالتِه وكلامِه وأنزلَ عليكَ التَّوراةَ؟ قال: نعم، قال: أَتلُومُني على أمر كانَ قد كُتبَ عليَّ قبلَ أنْ أفعَلَه، أو: قَبلَ أنْ أُخلَقَ؟ قال: فَحَجَّ آدمُ موسى"مرَّتين. أخرجاه في"الصحيحين".
[1] يفتقر إلى سند صحيح.
[2] لا يخفى ما فيه من بُعدٍ بعيد، وهو كسابقه يفتقر إلى سند صحيح، والله أعلم.
[3] قصة الحية لا أصل لها، وهي من الإسرائيليات المنكرة، والله أعلم.
[4] كالوجهين الأول والثاني، يفتقر إلى سند صحيح.