واختلفوا في سبب اختيار موسى السبعين:
فقال السُّدي: أمر الله موسى أن يأتيه في أناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل فاختار موسى السبعين، فلما صعدوا الجبل قالوا: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55] فإنك قد كلَّمته فأَرِناهُ، فأخذتهم الصاعقة فماتوا.
وقال ابن إسحاق: إنما اختارهم ليتوبوا إليه مما صنعوا.
وقال الكلبي: أمر موسى السبعين أن يتطهَّروا ويطهِّروا ثيابهم ويصوموا، ثم خرج بهم إلى طور سيناء لميقات ربِّه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه، فلما دنوا من ذلك المكان قالوا: يا موسى، اطلب لنا أن نسمع كلامَ ربنا، فقال: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشَّى الجبل كله، ودخل موسى حتى غاب فيه، وقال للقوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلَّمه ربُّه وقع على جبهته نورٌ ساطع لا يستطيع أحدٌ من بني إسرائيل أن ينظر إليه، فضرب دونه الحجاب ودنا القوم فدخلوا في الغمام وسمعوه يكلِّم ربه وربه يكلمه، يأمره وينهاه. فلما فرغ من المناجاة وانكشف الغمام عن موسى أقبل إليهم، فقالوا: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55] {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ} [النساء: 153] وهي الرجفة فماتوا جميعًا، وأنكر قوم أنهم سمعوا كلام الله، وقالوا: إذ سمعوا كلام الله، فأيُّ ميزة لموسى عليهم.
وقال وهب: لم تكن الرجفة موتًا وإنما كانت غَشْيَةً، فخاف موسى عليهم ورقَّ لهم وقال: يا رب، ماذا أقول إذا رجعت إلى بني إسرائيل {لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155] أي عبدة العجل؟ فأحياهم الله وجعلهم أنبياء كلهم [1] .
فإن قيل: فكيف قال موسى هذا وقد علم أن الله أعدل من أن يؤاخذ بجريرة الجاني غيره؟
قلنا: هذا استعطافٌ من موسى لله تعالى، وتقديره: لا تهلكنا، فكان دعاء، ونظيره قول عيسى عليه السلام: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} [المائدة: 118] .
[1] لا سند له، والدليل على خلافه قائم.