(فصل)
ومن رؤساء الكفار: أمية بن أبي الصلت ربيعة بن وهب بن عِلاج الثقفي، وقيل: أمية بن أبي الصلت عبد الله بن أبي ربيعة بن عوف بن ثقيف، وأُمُّ أمية رقية بنت عبد شمس بن عبد مناف، وكنيته: أبو عثمان، وقيل: أبو الحكم، وكان شاعرًا فصيحًا، وكان قد تنبأ في الجاهلية في أول زمانه، وكان على الإيمان، ثم زاغ عنه.
وقال علماء السير: كان أمية قد قرأ الكتب القديمة، وكان يتَّجر إلى الشام، ويجتمع بأهل الكتابين، فأخبروه بخروج نبيٍّ من العرب في آخر الزمان يرغب عن عبادة الأوثان، وكان يُؤَمِّلُ أن يكون هو، فلما بلغه خروجُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حسده، واغتاظ منه، وتأسف أن يكون ذلك في غَيره.
وحكى ابن إسحاق، عن أبي سفيان بن حرب قال: خرجت أنا وأمية تاجرَين إلى الشام في جماعة من قريش، فكان كلما نزلنا منزلًا أخرج سِفْرًا فيقرؤه علينا، فنزلنا يومًا بقرية فيها نصارى فأكرموه وأهدوا له، وذهبوا به إلى كنيستهم، ثم عاد وسط النهار فنزع ثوبه، ولبس ثوبين أسودين، ثم قال: يا أبا سفيان، هل لك في عالم من علماء النصارى تسأله عما بدا لك؟ فقلت: لا إرب لي فيه، أخاف أن يحدثني بشيء فيفسد علي قلبي.
قال: فمضى، ثم جاء بعد هدأة من الليل، فطرح ثوبيه، ثم تقلب على الفراش إلى الصباح، فوالله ما نام حتى أصبح حزينًا كئيبًا لا يكلمنا ولا نكلمه، فسرنا ليلتين وهو على حاله من الهم والغم، فقلت له: ما رأيت بمثل الذي رجعت به عن صاحبك، قال: لِمُنقَلَبي. فقلت: وهل لك من منقلب؟ قال: إي والله لأموتنَّ، ثم قال: لأبعثن ثم لأحاسبن قال: قلت: هل أنت قابل أمانتي، قال: على ماذا، قلت: على أنك لا تبعث ولا تحاسب. قال: فضحك، ثم قال: بلى والله يا أبا سفيان لنبعثن ثم لنحاسبن وليدخلن قوم إلى الجنة، وقوم إلى النار. فقلت: ففي أيِّها أنت؟ فقال: لا أدري. قلت:
فهل أخبرك صاحبك بهذا؟ فقال: إن صاحبي لا يعلم بذلك.
وسِرنا إلى دمشق فبعنا متاعنا، ثم رجعنا فمررنا بذلك المكان، فذهب إلى النصراني وجاء كئيبًا على حاله، فسرنا يومين وهو ساكت باهت. فقال: يا صخر، إني سائلك فأجبني، قلت: سل؟ فقال: أخبرني عن عتبة بن ربيعة أيجتنب المحارم والمظالم؟ قلت: نعم، ويصل الرحم وكريم الطرفين، ليس فينا قرشي أشرفُ منه. قال: فقد أخبرني هذا العالم، أن النبي الذي يخرج في هذا الزمان، رجل من أهل البيت الذي يحجه الناس، وقد كنت أرجو أن أكون أنا ذلك الرجل، فأصابني ما رأيت.
قال أبو سفيان: فظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمية في اليمن، قد ذهب بتجارة ثم قدم الطائفَ، فخرجتُ فنزلتُ عليه، فقلت: أتذكر حديث النصراني يا أبا عثمان؟ قال: وكيف؟ قلت: قد ظهر ما قال، قال: ومن ذاك؟ قلت: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: فتصبَّبَ عَرَقًا، ثم أتى مكة فلقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: ما هذا الذي تقول؟ قال:"فما الذي تقول أنت"؟ فقام فخطب، وأنشد شعرًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: {يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} إلى آخر السورة. فبهت، وقام يجر رجليه، فتبعته قريش، وقالت له: ما تقول؟ قال: أشهد أنه على الحق، قالوا: فهل تتبعه؟ قال: أنظر في أمري، وقال أبياتًا منها: [من الوافر]
إله محمَّدٍ حقًّا إلهي ... وديني دينُه غير انتحالِ
قال أبو سفيان: لما عدنا من الشام، مضى أمية إلى الطائف ودخل مكة، وكان معي بضائع للناس، ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضاعة، فجاء الناس يهنؤني بالسلامة ويسألوني عن بضائعهم، وجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلم علي وهنأني بالسلامة، ولم يسألني عن بضاعته، فلما قام، قلت لهند: والله إن هذا الفتى ليعجبني، ما من أحد من قريش له معي بضاعة إلا وقد سألني عنها إلا هو. فقالت هند: وما علمت شأنه؟ ففزعت وقلت: وما شأنه؟ قالت: زعم أنه رسول الله، فذكرت قول النصراني فوجمت، وخرجت إلى الطائف، وأخبرت أمية، فقال: لئن ظهر وأنا حي لأُبْلِيَنَّ الله في نُصرته عذرًا، فمضيت إلى اليمن وعدت إلى الطائف، فقلت له: أين أنت من محمد؟ فقال: ما كنت لأصدق شيئًا من غير ثقيف أبدًا، وفي رواية: قلت له: ما يمنعك منه؟ قال: هو على الحق، ويمنعني الحياء من نُسَيَّاتِ الطائف، كنت أحدثهن أنني هو، ثم أصير تبعًا لغلام من بني عبد مناف.