فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 202

{وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ...(116)}

واختلفوا في وقت هذا القول على قولين:

أحدهما: أنَّه قال له ذلك عند رفعه إليه، قاله السُّدي وقُطْرب، قالا: لأنَّ إذ للماضي.

والثاني: أنه يقول له يوم القيامة وهو قول الباقين، وأنَّ معناه: وإذ يقول الله.

فإنْ قيل: فما الفائدة في هذا السؤال والله عالم بأنَّه ما قال؟

فالجواب من وجوه:

أحدها: لأنَّ جماعة من النصارى ادَّعوا أن عيسى أمرهم بعبادته، فأراد تكذيبهم، فلفظ الآية استفهام، ومعناه التوبيخ لمن ادَّعى عليه أنه قال ذلك، قال أبو عبيدة: ومثله قول القائل لآخر: فعلت كذا وكذا وقد علم أنه لم يفعله. واختاره أبو عبيدة.

والثاني: أنَّه أراد اعتراف عيسى بالعبودية؛ ليظهر ذُلَّه وخضوعه، والإله لا يكون خاضعًا، قاله ابن عباس.

والثالث: أنَّه أراد إظهار فصاحة عيسى وأنه مؤيَّد بروح القدس، قاله أهل المعاني، وذلك لأنه أجاب بأحسنِ الأجوبة وأَبْلَغَ، فقوله: {سُبْحَانَكَ} جواب، لأنَّ التسبيح هو التقديس لله والتنزيه له من كل سوى، ومعناه: تقدَّستَ وتنزَّهْتَ عنْ أن يقول مثلي هذا، فأنت المعبود وأنا العبد.

وقوله: {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} [المائدة: 116] جواب ثان، كأنه يقول: قد علمت أني لا ينبغي لي ذلك قما قلتُ، وقوله: {إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} [المائدة: 116] ، جواب ثالث، لأنه قد علم أنَّه ما قال.

وقوله: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} جواب رابع، لأنه مُطَّلع على سره وضميره وقد علم أنَّه ما قال، وقوله: {إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} جواب خامس، لأنه إذا كان عالمًا للغيب لم يخفَ عليه شيء، وقد علم أنه ما قال.

وقوله: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} [المائدة: 117] جواب سادس، لأنه ما أمرهم أن يقولوا ذلك.

وقوله: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 117] جواب سابع، لأنه إذا أمرهم بعبادة الله فقد اعترف بالعبودية، والعبد لا يكون إلهًا.

وقوله: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ} جواب ثامن، لأنه لمَّا كان بينهم ما ادعوا عليه ذلك وقوله: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} أي: رفعتني، جواب تاسع، ومعناه: ما زلت معترفًا لك بالإلهية إلى حين وفاتي، فكيف أقول لهم هذا.

وقوله: {وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 117] جواب عاشر، ومعناه: إنَّك تشهد الأشياء وتعلمها، وأنت مُطَّلع على البواطن والظواهر، والشهيد لا يستتر عنه شيء، وقد علمتَ أنِّي ما قلتُ فما قلتُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت