(فصل)
ولا يجوز عليه نوم لوجوه:
أحدها: لئلا يرجعَ الداعي عن بابه خائبًا.
والثاني: لأنَّ النوم غفلة والباري منزه عنها.
والثالث: لأن الله يمسك السماء بغير عمد ولا عِلاقة، فلو نام لوقعت على الأرض؛ وقال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن عكرمة عن أبي هريرة قال: سمعت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يحكي عن موسى - عليه السلام - على المنبر قال:"وقع في نفس موسى هل ينام الله تعالى؟ فأرسل إليه ملكًا فأَرَّقهُ ثلاثًا وأعطاه قارورتين، في كلِّ يدٍ قارورة، وأمره أن يتحفَّظ بهما، قال: وجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان فيحبس إحداهما على الأخرى، حتى نام نومةً فاصطكت يداه فانكسرت القارورتان؛ قال: فضرب الله مثلًا أنه لو نام لم تستمسك السماوات والأرض".
والرابع: لأن النوم آفة، ويزيل العقلَ والقوةَ ويقهرهما، والله تعالى لا يجوز عليه ذلك.
والخامس: لأن النوم استراحة، والله تعالى لا يأخذه تعبٌ فيستريح؛ وقال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن سفيان الثوري، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أينامُ أهل الجنة؟ قال:"لا، النوم أخو الموت".
وقال الله تعالى: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255] السِّنَةُ: النوم الخفيف وهي النعاس؛ وقال الزجاج: هي ريح تجيء من قبل الرأس لينة فتغشي العين، والوسنان بين النائم واليقظان.
فإن. قيل: فالملائكة لا تنام فقد شاركت الباري في هذه الحالة؟!
فالجواب: أن الملائكة لا تنام ويجوز عليها النوم، والباري سبحانه وتعالى لا يجوز عليه ذلك.
(فصل)
والباري سبحانه ليس بجسم، وقالت الكَرَّامية: هو جسم إلا أنه لا يشبه الأجسام. واحتجوا بما ورد. من آيات الصفات كقوله تعالى: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} [هود: 37] وبأخبار الصفات ونحوها، ونحن نقول: الجسم محدود بالطول والعرض ونحوه، والباري ليس بمحدودٍ بالطُول والعرض، وأمّا الآيات والأخبار فمؤوَّلة بما يليق به سبحانه.
(فصل)
وهو موصوف بما وصف به نفسه من العلمِ، والقدرة، والحياة، والإرادة، والسَّمع، والبصر، والكلام، ونحوه في كتابه القديم وعلى لسان رسوله الكريم، وقد بسطنا القول في هذه الفصول في كتابنا المسمى بـ"النَّضيد في مسائل التَّوحيد".