فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 202

{الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(22)}

(فصل في خلق السماوات والآثار العلويات)

أظهر الله سبحانه في السماء دلائل على ربوبيته ووسائل إلى قدرته:

منها: أنه جعلها سقفًا مرفوعًا لتكونَ ظلًّا.

ومنها: أنها بغير عمد تحتها ولا علاقة فوقها.

ومنها: سعتها والنفع بزيادة التصرف فيها وكونها زينةً للناظرين.

ومنها: استواؤها {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَينِ} [الملك: 3، 4] بالنظر والاستدلال، وقيل: بالنزهة والاعتبار.

ومنها: لونُها الذي لم يتغير على مرورِ الزمان وتقلُّبِ الحَدَثان، ثم هو أحسنُ الألوان، وأقوى للبصر، وأحدُّ للنظر، والأطباءُ إنما يأمرون بإدمان النظر إلى الخضرة ليقوى البصر. وقيل: هي بيضاء ولكنْ مِن بُعدِها تُرى خضراء.

ومنها: إمساكها بيد القدرة {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا} [فاطر: 41] .

ومنها: أنها ظلٌّ لبني آدم لقوله تعالى: {وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) } [الطور: 5] .

ومنها: أن الخلقَ يضعونَ الأساسَ أوَّلًا ثم السقفَ بعد ذلك، والله تعالى أفعاله خلاف أفعالِ العباد.

ومنها: أن بناءَ أهلِ الدنيا تحته أوسعُ من الفوق، وبناءُ الله على ضدِّه.

ومنها: أن بناءَ الخلقِ ينهدمُ على طول الأيام، وبناءُ الله تعالى لا ينهدم ولا يتغير ولا يسقط منه شيء.

إذا عرفنا هذا قلنا: قال الجوهري: كل ما علاك فأَظلَّكَ فهو سماء، ومنه قيل: لسقف البيت سماء، ويقال للسحاب: سماء، قال الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا} [ق: 9] ويسمَّى المطرُ: سماء، قال الشاعر:

إذا نزلَ السماءُ بأرضِ قوم ... رَعَيناهُ وإنْ كانُوا غِضَابا

هذا كلام الجوهري.

وقال الفراء والزجَّاج: لفظُ السماواتِ واحدٌ ومعناه الجمع، بدليل قوله تعالى: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [البقرة: 29] .

وقال أبو حنيفة أحمد بن داود الدِّينوري في"كتاب الأنواء"في السماوات: قال الله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ} [الذاريات: 47] وقال في موضع آخر: {السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} [المزمل: 18] .

قلت: وما ذكروه من معنى السموّ والارتفاع والمطر وغيره فإنما هو مجاز، أما الحقيقة، فيرادُ به السماءُ المعروفة.

وقد ورد في السماء أخبارٌ وآثار:

قال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إنِّي أرى ما لا تَرَوْن، وأَسمعُ ما لا تَسْمَعون: أَطَّتِ السماءُ وحُقَّ لها أنْ تَئِطَّ، ما فيها مَوضعُ أربعِ أصابعَ إلا وعليه مَلَكٌ ساجدٌ".

قال الجوهري: الأطيط: صوتُ الرَّحْلِ والإبل من ثِقَل أحمالها.

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أراد الله خَلْقَ المخلوقات خلق الماء فثار منه دخان، فارتفع فخَلَقَ منه السماء وجعلها سماءٌ واحدة، ثم فتقها فجعلها سبعًا {وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} [فصلت: 12] أي ما قَدَّرَ أنْ يكونَ فيها من الملائكة والنجوم وغير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت