أحدها: أنه كان من الملائكة، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس.
والثاني: أنه كان من الشياطين، قاله الحسن البصري، قال: ولم يكن من الملائكة قط، واحتج بقوله تعالى: {إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] .
الثالث: أنه لا من الملائكة ولا من الجن، بل هو خلق مفردٌ خلقه الله تعالى من النارِ كما خلق آدمَ من الطين، قاله مقاتل.
وقد رجَّحَ علماءُ التفسير قول ابنِ عباس أنه كان من الملائكة، واحتجّوا بقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ} [البقرة: 34، الكهف: 50] وهذا استثناء متصلٌ، فدلَّ على أنه منهم.
وأما قول الحسن: إنه كان من الجن، وما احتجَّ به من الآية فقد فسَّره ابن عباس وقال: أشرافُ الملائكةِ وأكرمهم يقال لهم: الجنُّ، لأنهم استتروا عن أعين الملائكة لشرفهم، وكان إبليس منهم، قال: وكان له سلطانُ السماءِ الدنيا وسلطانُ الأرض، وكان يسمَّى: طاووسَ الملائكةِ، وليس في سماء الدنيا مكانٌ إلا وقد سجد عليه، ولما عصتِ الجنُّ في الأرض بعثه الله في طائفةٍ من الملائكة فطردوهم إلى الجزائر وأطرافِ الجبال فاغترَّ في نفسه، وقال: مَنْ مِثلي. ولم يسجد لآدم، فمسخه الله تعالى شيطانًا.
قلت: وظاهر الآيات يقتضي التعارض فينبغي التوقف، وقد قال: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] وإذا كان مخلوقًا في الأصل من النار، فكيف يُخْلَقُ من النور، لأن الملائكة خُلِقوا من النور لما نذكر.
وذكر أبو جعفر الطبري: أن إبليس بُعِثَ حاكمًا في الأرضِ، فقضى بين الجنِّ ألفَ سنة، ثم عرَج إلى السماء فأقام يتعبّد حتى خُلِقَ آدم.
وقال شهر بن حوشب: كان إبليس من الجن الذين يعملون في الأرض بالفساد، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء.
وقال قتادة: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] خرج عن طاعته، والفسقُ الخروج، من قولهم: فسقتِ الرُّطَبة إذا خرجتْ من قشرها.