(فصل في تعليمه الأسماء)
قال الله تعالى {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ} [البقرة: 31] اختلفوا في الذي علَّمه على أقوال:
أحدها: أنها أسماء الملائكة، قاله الربيع بن أنس.
والثاني: أسماء ذريَّته، قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
والثالث: أنه علَّمه جميع الأسماء، فقال: هذا فرس، وهذه دابَّة، هذه قصعة، هذه قصبة، هذا نعل، هذا كذا، حتى أتى على آخرها، قاله ابن عباس، وهو الأصح
لوجهين: أحدهما لأنَّ لفظه"كل"للعموم.
والثاني: ليظهر فضلُ آدم على الملائكة، وفي تعليم البعض نقص.
وقد نصَّ ابن عباس على هذا فقال: علَّمه أسماء الخلق والقرى والمدن والجبال وأسماء الطيور والأشجار وما كان ويكون وكلَّ نسميةٍ الله خالقها إلى يوم القيامة.
وقال الطّبري في"تاريخه": علَّمه كل شيءٍ حتى الفسوة والضّرطة.
قلت: أما كان في مخلوقات الله ما يعبَّر عنه بعبارة تليق بالله إلا هذه العبارة؟!
وقال السُّدي: لما قال الله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} قالت الملائكة فيما بينهم: ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقًا أفضل ولا أكرم عليه منا، وإن كان خيرًا منا فنحن أعلم منه لأنَّا خلقنا قبله ورأينا ما لم يَرَهُ. فلما أُعجبوا بعلمهم وعبادتهم فضَّل عليهم آدم بالعلم فعلَّمه الأسماء كلها [1] . وهذا قول الحسن وقتادة وعامَّة العلماء.
وقال أبو القاسم الورّاق: علَّمه ألف حِرفَةٍ ثم قال له: قل لأولادك إن لم يصبروا فليطلبوا الدنيا بهذه الحرَف ولا يطلبوها بالدِّين، فإنَّ الدِّين خالص، وويلٌ لمن طلب الدنيا بالدِّين.
[1] الملائكة معصومون من العُجْب قال تعالى (وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ(19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) . وقال أيضا (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ(26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) .