فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 202

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ...(260)}

فإن قيل: فهل كان شاكًّا حتى قال: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 265] ؟

فالجواب من وجوه:

أحدها: أنه أراد أن يجمع بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، كما أنَّ الإنسان يعلم الشيء ويتيقَّنه ولكن يحبُّ أن يراه عيانأ، كما أنَّ المؤمنين يحبُّون الله ويختارون رؤيته في الجنان مع الإيمان وزوال الشك، قاله ابن عباس.

والثاني: أنه رأى دابَّة ميِّتة على جانب البحر تاكلها دوابُّ البحر وتمزِّقها دواب البرِّ، فجاءه الخبيث فقال له: يا إبراهيم، متى يجمع الله هذه من بطون السِّباع والحيتان؟ فقال: {أَرِنِي كَيفَ تُحْييِ الْمَوْتَى} لتذهب عني وسوسة الشيطان، قاله ابن زيد ومقاتل.

والثالث: أنه لما بُشِّر بالخلَّة سأل ذلك ليتيقَّن بالإجابة صحَّة ما بشّر به، قاله ابن مسعود والسُّدي.

والرَّابع: لأنه لما ناظر نمرود وقال له: أنا أحي وأميت قال: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258] قال له نمرود: أنت عاينت ذلك؟ فلم يقل: نعم لأنه ما شاهده، فلمَّا قال: أرني كيف تحيي الموتى قال له الله تعالى: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} فلعل نمرود يناظرني مرَّة ثانية فأقول: نعم، فلا أحتاج إلى الانتقال إلى حجَّة أخرى.

فإن قيل: فكل هذه الأجوبة مجاز لا حقيقة، وقد ثبت أنه كان شاكًّا مثل قوله: {هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 76 - 78] والدليل عليه ما رواه الأئمة، فقال أحمد بإسناده عن سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"نحنُ أحقُّ بالشَّكِ من أَبينَا إِبراهيمَ حيثُ قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] ثم قرأ الآية حتى أنجزها، أخرجاه في الصحيحين، وفيه:"يَرحمُ اللهُ لوطًا لقد كانَ يَأوي إلى رُكنٍ شَديدٍ ولو لَبِثتُ ما لَبِثَ يُوسفُ في السِّجنِ لأَجَبتُ الدَّاعِي"."

والجواب: قالوا: ما شهد له الرَّسول بالشكِّ، وإنما مدحه لأنَّ معناه نحن أحق بالشكِّ منه وما شككنا، وكيف يشكُّ هو، وإنما شك هل يجيبه إلى سؤاله أم لا؟ وكذا باقي الحديث مدح للوط ويوسف.

وقال ابن إسحاق: هذه الواقعة جرت لإبراهيم قبل النبوَّة، وقبل إنزال الصحف، وقبل أن يولد له، وقبل بناء البيت، لأنه مرَّ على بحيرة طبريَّة لما دخل الشَّام فرأى الميتة على جانبها فيكون هذا من جنس قوله: {هَذَا رَبِّي} .

وقال محمد بن مقاتل الرَّازي: ما كان شاكًّا في القدرة بدليل قوله: {أَرِنِي} ولو كان شاكًّا لقال: هل تحيي الموتى؟ فكان معنى قوله: {أَرِنِي} أي ما أنا موقن به، ولكن ليطمئنَّ قلبي بزيادة اليقين والحجَّة وحقيقة الخُلَّة وإجابة الدعوة. فقال له الله تعالى: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيرِ} .

فإن قيل: فلم قال: {يَأْتِينَكَ سَعْيًا} [البقرة: 260] ولم يقل: طيرانًا؟

قلنا: لو طارت لتوهم متوهِّم أنها غيرُ تلك، وأدتَّ أرجلَها غيرُ سليمة، فكان أبلغ في الحُجَّة وأبعد من الشُّبهة.

وقال مقاتل: هذا مَثَلٌ ضربه الله فكأنَّه يقول: كما قدرتُ أن أبعث هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة، فكذا أبعث الناس يوم القيامة من أرباع الأرض ونواحيها، وهي الجنوب والشمال والدَّبُور والصَّبا.

فإن قيل: فلمَ خصَّ أربعة أطيار؟

قلنا: لأجل الاستقصَّات الأربع التي بها قوامُ العالم.

والجبال من جبال الشام، وقيل: على جبل لُبنَان، وسَيير، وجبل القُدس، وطُور سَيناء.

وقال أبو إسحاق الثعلبي: سمعت أبا القاسم ابن حبيب يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا الحسن الأقطع وكان حكيمًا يقول: صحَّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:"لكل آيةٍ ظهرٌ وبطنٌ، ولكلِ حرفي حدٌّ ومَطلعٌ". وظاهر الآية ما ذكره أهل التفسير، وباطنها أنَّ إبراهيم أُمِرَ بذبح أربعة أشياء في نفسه بسكين الإياس، كما ذبح الأَطيارَ الأَربعةَ بسكين الحديد، فالنسر مَثلٌ لطول العمر والأمل، والطَّاووس زينةُ الدنيا وبهجتُها، والغراب الحرص، والدِّيك الشهوة.

قلت: الخليل عليه السَّلام منزَّهٌ عن مثل هذا، لأنَّ الله تعالى عصمه من كل ما ذُكِرَ من الأمثال، فتحصيل الحاصل محال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت