قال أهل اللغة: الخليل الصديق، والخُلَّة الصداقة. قال الجوهري: الخُلَّةُ: الخليل، يستوعب فيه المذكر والمؤنث، لأنه في الأصل مصدر.
فإن قيل: فإذا كانت الخُلَّة عبارة عن الصداقة فهذا المعنى معدوم في حقِّ الله تعالى؟
قلنا: معنى الخُلَّة من إبراهيم المودَّة والطَّاعة لله والتقرُّب إليه بما يكون سببًا للزلفى، ومن الله تعالى بمعنى الإقبال عليه والإحسان إليه.
واختلفوا في سبب اتخاذ الله إيَّاهُ على أقوال:
أحدها: لإطعامه الطعام ولم يكن يأكل إلَّا مع الضيف، رواه عبد الله بن عمرو عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. حدَّثنا جدَّي حدَّثنا أبو القاسم الحريري بإسناده عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"سألت جِبرِيلَ لمَ اتخَذَ الله إِبراهيمَ خَلِيلًا؟ فَقال: لإطعامِهِ الطَّعَامَ".
الثاني: لأنه أصاب أهل ناحيته جدب، روى أبو صالح عن ابن عباس قال: أصابت الناسَ سنةٌ جهدوا فيها، فجاؤوا إلى باب إبراهيم يطلبون الطعام، وكان له صديق بمصر، وكان يبعث إليه غلمانه بالإبل فيمتارون، فذهبوا إلى صديقه فلم يعطهم شيئًا، وقال: لو كان إبراهيم إنما يمتار لنفسه احتملنا ذلك، فقد دخل علينا من الشدَّة ما دخل على الناس، فرجعوا من عنده، فمرُّوا على كثيب رمل، فقال بعضهم: خذوا منه لئلا يقول الناس لم يأتوا بشيء، فمرُّوا تلك الغرائر وجاؤوا فأخبروا إبراهيم بأن صديقه لم يعطهم شيئًا، وأنَّهم ملؤوا الغرائر رملًا، فنام مهمومًا. وجاءت سارَة - وكانت غائبة - ففتحت بعض الغرائر تظنُّ أنَّ في الغرائر دقيقًا، فإذا دقيق حوَّارى، فعجنت وخبزت، فانتبه إبراهيم فرأى الخبز فقال: من أين هذا؟ قالت: من عند خليلك المصري. فقال: بل من عند خليلي الله، ففرَّقه على الناس فاتخذه الله خليلًا.
والثالث: لأنه لما كسر الأصنام غَيرةً لله اتخذه الله خليلًا، قاله مقاتل.
والرَّابع: لأنه لم يخير بين شيئين إلَّا اختار ما لله فيه رضىً. قاله الربيع بن أنس.
وقال ابن سعد بإسناده عن ابن عباس قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلًا كان له يومئذ ثلاث مئة عبد فأعتقهم، فكانوا يجاهدون بين يديه.
وإبراهيم أوَّل من عمل القسيَّ العربية، وأما القسيُّ الأعجميَّة فأوَّل من عملها نمرود.