فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 202

(فصل في ذكر الكرسي والعرش ومقدار ما بينهما وبين الفرش)

قال الجوهري: الكرسيُّ واحد الكراسي المعروفة.

واختلفوا فيه على أقوال:

أحدها: أنه الكرسي، وقد فسّر ابن عباس قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [البقرة: 255] بهذا، قال: ومعنى وَسِعَ أي ملأهما وأحاط بهما.

والثاني: أنَّ الكرسيَّ علم الله، ومنه قيل للصَّحيفة فيها العلم: كرَّاسة، ويقال للعلماء: الكراسيُّ، قاله الضحَّاك وروي عن ابن عبَّاس أيضًا.

والثالث: قدرة الله وسلطانه وملكه، والعرب تسمِّي المُلك القديم: كرسيًّا، قاله مقاتل.

والرابع: سرّه، قال الشاعر:

ما لي بأمرك من سرّ أكاتمه ... ولا بكرسيِّ علمِ اللهِ مخلوقُ

قاله الحسن.

والخامس: أهله، قاله أبو جعفر الطبري، قال: ومعناه وسع عباده أهل السماء والأرض.

والسادس: أنَّ الكرسيَّ هو العرش، قاله الحسن.

والسابع: أنَّه ملك عظيم أضافه إلى نفسه تخصيصًا لينبّه به على عظمته وقدرته، قاله مقاتل بن حيَّان، قال: ومعناه أن خلقًا من خلقي يملأ السَّماوات والأرض فكيف تُقدر قدرتي وتُنال عظمتي.

قلت: والأصح أنَّه الكرسيُّ بعينه، وباقي الأقوال مجاز وعدولٌ عن الحقيقة، لأنَّ الأخبار والآثار دالَّة عليه.

قال أبو إسحاق الثعلبي بإسناده عن أبي ذرٍّ، قال قلت: يا رسول الله، أيُّما أُنزل عليك أعظم؟ قال:"آيةُ الكُرسيِّ"ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يا أبا ذرِّ، ما السَّماواتُ السَّبعُ في الكُرسيِّ إلّا كحَلْقةٍ ملقاةٍ في أرضٍ فلاةٍ، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة".

وروي عن علي - عليه السلام - أنه قال: الكرسيُّ من لؤلؤة بيضاء، وهو فوق السماء السابعة بمسيرة خمس مئة عام، وطول كلِّ قائمة منه مثل السماوات السبع والأرضين السبع، وهو بين يدي العرش، ويحمل الكرسيَّ أربعة أملاك، أقدامهم على الصخرة التي تحت الأرض السابعة.

وأمَّا ما ذكروه من معنى العلم والقدرة ونحو ذلك، فالعرب لا تعرف الكرسيَّ بمعنى العلم والقدرة والمُلك والأهل، وما استشهدوا به فشاذٌّ لا يعرَّج عليه.

وأمَّا العرش، فقال الجوهري: العرش سرير الملِك.

وقال الزجَّاج: سرير الملك يسمّى عرشًا، وأنشد قول أميَّة بنِ أبي الصَّلت:

مجِّدوا الله فَهْو للمجدِ أهلٌ ... ربُّنا في السماء أمسى كَبيرا

بالبناء الأعلى الذي لسَبَق النَّا ... س وسوَّى فوقَ السَّماء سَريرا

أي: عرشًا.

وقال الحسن البصري: العرش هو الكرسي بعينه.

وليس كما ذكر، لأنّ الله تعالى فرَّق بينهما فقال: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [البقرة: 255] ، ثم قال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] وذكر العرش في عدَّة مواضع.

وروى مجاهد عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: العرش بعد الكرسي، والعرش من ياقوتة حمراء، وتحته بحر تنزل منه أرزاق الحيوانات، يوحي الله إليه فيقطر ما شاء، ثم يقسم بين الخلائق، وبين حملة العرش وحملة الكرسيِّ لسبعون حجابًا من نور، غلظ كلِّ حجابٍ مسيرة خمس مئة سمنة، ولولا ذلك لاحترق حملة الكرسي من نور [حَمَلةِ] العرش.

وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: للعرش ثلاث مئة وستون ألف برج، في كل برج ثلاث مئة ألف صف من الملائكة، لا يعلم محددهم إلا الله تعالى، يسبِّح كل واحد منهم بلسان لا يعرفه الآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت