فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 315

-الأدلة:

الدليل الأول: ظاهر حديث أنس - رضي الله عنه: أن أبا بكر - رضي الله عنه -، كتب له الصدقة التي أمر الله ُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم -، وفيه:

(ولا يخرج في الصدقة: هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس، إلا ما شاء المصَدِّق) [1] .

(1) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب: لا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار، ولا تيس، إلا ما شاء المصدق (2/ 118) ، برقم: (1455) .

قال الخطابي: (وكان أبو عبيد يرويه:"إلا أن يشاء المصدَّق"بفتح الدال، يريد: صاحب الماشية. وقد خالفه عامة الرواة في ذلك، فقالوا:"إلاّ أن يشاء المصدِّق"مكسورة الدال، أي: العامل) . معالم السنن (2/ 26) ، وانظر: غريب الحديث للخطابي (3/ 237) ، المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (2/ 260) ، النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 18) .

ونقل كلامه في الشرح الكبير على متن المقنع (2/ 521) ، والمبدع في شرح المقنع (2/ 321) .

وقال ابن حجر: (اختلف في ضبطه؛ فالأكثر على أنه بالتشديد، والمراد: المالك، وهذا اختيار أبي عبيد، وتقدير الحديث: لا تؤخذ هرمة، ولا ذات عيب أصلا، ولا يؤخذ التيس -وهو فحل الغنم- إلا برضا المالك، لكونه يحتاج إليه، ففي أخذه بغير اختياره إضرار به والله أعلم. وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث. ومنهم من ضبطه بتخفيف الصاد، وهو: الساعي، وكأنه يشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده، لكونه يجري مجرى الوكيل، فلا يتصرف بغير المصلحة ... ) . فتح الباري (3/ 321) ، نيل الأوطار (4/ 154) .

وقال القسطلاني: (بتخفيف الصاد المهملة وتشديدها، والتشديد مكشوط في اليونينية) . إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (3/ 46) .

وفي الطبعة السلطانية -المطبوعة عن النسخة اليونينية- من صحيح البخاري، ضبطت الكلمة: (المُصَدِّق) ، وكتب على الصاد والدال: صح صح.

وعليها أكثر شروح البخاري، وغيره، بل عامة الرواة، والمحدثين، وأهل اللغة على ذلك، وقد بحثت في كتب أبي عبيد القاسم بن سلام في الغريب فلم أجد ما ذُكر عنه، ثم وجدته في كتابه (الأموال) ، قال:

"قوله: إلا أن يشاء المصَدِّقُ. هكذَا يقولُ الْمحدِّثونَ، وَأَنا أَرَاهُ: الْمُصَدَّقَ. يَعْنِي رَبَّ الْمَاشِيَة". الأموال للقاسم بن سلام (ص: 482)

فحتى أبو عبيد نسب ضبطها بكسر الصاد للمحدثين، والمراد به في هذا الحديث وغيره: الساعي، الذي يأخذ الصدقة، وعليه تدل سياقات الأحاديث الأخرى، وهذا مشكل على ما نسبه الحافظ للأكثر، وكذلك نقله للتشديد أنه اختيار أبي عبيد، فإن أبا عبيد إنما تكلم عن فتح الصاد وكسرها، كما نقله الخطابي، وابن الأثير، والعيني، وغيرهم، إلا أن يريد الحافظ: المعنى، وهو المالك رب الماشية. والله أعلم. انظر: أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) (2/ 782) ، شرح صحيح البخاري لابن بطال (3/ 471) ، الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (7/ 220) ، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (9/ 23) ، شرح القسطلاني = إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (3/ 42) ، منحة الباري بشرح صحيح البخاري (3/ 533) .

والخلاصة أنه ورد في ضبط الكلمة ثلاثة وجوه:

الأول: بفتح الصاد مخففةً، وكسر الدال مشددةً. وعليها عامة الرواة والمحدثين واللُّغويين والشراح والنسخ، والمراد: الساعي، وبها يستقيم استدلال المجد، وغيره. ولعلها هي المرجَّحة؛ لما ذكر من أن عليها الجمهور، وكذلك لورود نفس الكلمة في مواضع أخرى من السنّة، منها: ما أخرجه البخاري برقم: (1448) ، وما أخرجه مسلم برقم: (989) .

الثاني: بفتح الصاد مخففةً، وفتح الدال مشددةً، وهو ما اختاره أبو عبيد، ونقله عنه الخطابي، وابن الأثير، والعيني، وغيرهم.

الثالث: بفتح الصاد مشددةً، وكسر الدال مشددةً، وهو ظاهر ما ذكره ابن حجر، ونسبه للأكثر! وعنه القسطلاني في شرحه، والشوكاني في نيل الأوطار، ونقله ابن الأثير عن أبي موسى صاحب (المجموع المغيث) .

تنبيه: نسب بعضهم كلام ابن حجر، لأبي عبيد الهروي، صاحب (الغريبين) ، ولعله وهم منه، فإن أبا عبيد الهروي، ليس له اختيارات معروفة، وهو من تلاميذ الخطابي، إضافة إلى أنه في كتابه قال:"المصدق: بتخفيف الصاد، الرجل الذي يأخذ الصدقات". الغريبين (ص: 1068) .

وإنما أطلت الكلام على هذه اللفظة، لتعلق الدليل والاستدلال بها، بل هي الأصل في الاستدلال لقول المجد، ومن قال به غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت