سنة ست.
الجواب الثالث: أنه وإن كان فرض متقدمًا لكن كانت هناك عوائق تمنع من فعله؛ بل من صحته بالكلية؛ سواء كان واجبًا أو غير واجب، أظهرها منعًا: أن الحج قبل حجة الوداع كان يقع في غير حينه؛ لأن أهل الجاهلية كانوا ينسئون النسيء الذي ذكره الله في القرآن.
وقد روى أحمد بإسناده عن مجاهد في قوله: (( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) ) [التوبة:37] قال: «حجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، فكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين، حتى وافقت حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي بسنة، ثم حج النبي من قابل في ذي الحجة، فلذلك يقول النبي: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض) [1] » .
وهذا مما أجمع عليه أهل العلم بالأخبار والتفسير والحديث، وفي ذلك نزل قوله: (( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ) ) [التوبة:36] الآية والتي بعدها. وإذا كان الحج قبل حجة الوداع في تلك السنين باطلًا واقعًا في غير ميقاته؛ امتنع أن يؤدى فرض الله سبحانه قبل تلك السنة، وعلم أن حجة عتاب بن أسيد وحجة أبي بكر إنما كانتا إقامةً للموسم الذي يجتمع فيه وفود العرب والناس؛ لينبذ العهود، ويُنفى المشركون، ويمنعون من الطواف عراة، تأسيسًا وتوطئة للحجة التي أكمل الله بها الدين، وأتم بها النعمة، وأدى بها فرض الله، وأقيمت فيها مناسك إبراهيم عليه السلام. ولا يجوز أن يقال: فقد كان يمكن المسلم أن يحج في غير وقت حج المشركين؛ أما قبل الفتح فلو فعل ذلك أحد لأريق دمه، ولمنع من ذلك وصد، وكذلك بعد الفتح؛ لأن القوم حديثو عهد بجاهلية، وفي استعطافهم تأليف قلوبهم، وتبليغ الرسالة في الموسم ما فيه.
(1) رواه البيهقي في السنن الكبرى (5/ 166) (9557) .