فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 643

الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن الشريعة قد استقرت -ولا سيما في المناسك- على قصد مخالفة المشركين، فالنسك المشتمل على مخالفتهم أفضل بلا ريب، وهذا واضح.

الرابع عشر: أن السائل للنبي صلى الله عليه وسلم: (عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟) لم يرد به أنها هل تجزئ عن تلك السنة فقط أو عن العمر كله؟ فإنه لو كان مراده ذلك لسأل عن الحج الذي هو فرض الإسلام، ومن المعلوم أن العمرة إن كانت واجبة لم تجب في العمر إلا مرة واحدة، ولأنه لو أراد ذلك لم يقل له النبي: (بل لأبد الأبد) ، فإن أبد الأبد إنما يكون في حق الأمة [قومًا يعرفون] إلى يوم القيامة، وإن الأبد لا يكون في حق طائفة معينة؛ بل هو لجميع الأمة، ولأنه قال في رواية النسائي: (ألنا خاصة أم للأبد؟) ، فدل على أنهم إنما سألوا: هل يسوغ فعلها بعدك على هذا الوجه؟ فأجابهم بأن فعلها كذلك سائغ أبد الأبد، وفي رواية للبخاري: أن سراقة بن مالك لقي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ألكم هذه خاصة يا رسول الله؟ قال: بل للأبد) [1] .

الخامس عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم في تلك الحجة أن كل من طاف بالبيت فقد حل، إلا من كان معه الهدي، ففي السنن من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان بعسفان قال له سراقة بن مالك المدلجي: يا رسول الله! اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم، فقال: إن الله عز وجل قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرة، فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل، إلا من كان معه هدي) ، فهذا نص انفساخه شاء أم أبى، كما قال ابن عباس وإسحاق ومن وافقهما، وقوله: (اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم) ، يريد قضاءً لازمًا لا يتغير ولا يتبدل، بل نتمسك به

(1) رواه البخاري (1785) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت