صلى الظهر بمنى؛ لوجوه:
أحدها: أنه لو صلى الظهر بمكة لأناب عنه في إمامة الناس بمنى إمامًا يصلي بهم الظهر، ولم ينقل ذلك أحد، ومحال أن يصلي بالمسلمين الظهر بمنى نائب له ولا ينقله أحد؛ فقد نقل الناس نيابة عبد الرحمن بن عوف لما صلى بهم الفجر في السفر، ونيابة الصديق لما خرج صلى الله عليه وسلم يصلح بين بني عمرو بن عوف، ونيابته في مرضه، ولا يحتاج إلى ذكر من صلى بهم بمكة؛ لأن إمامهم الراتب الذي كان مستمرًا على الصلاة قبل ذلك وبعده هو الذي كان يصلي بهم.
الثاني: أنه لو صلى بهم بمكة لكان أهل مكة مقيمين، فكان يتعين عليهم الإتمام، ولم يقل لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر) كما قاله في غزاة الفتح.
الثالث: أنه يمكن اشتباه الظهر المقصورة بركعتي الطواف، ولا سيما والناس يصلونهما معه ويقتدون به فيهما، فظنهما الرائي الظهر، وأما صلاته بمنى والناس خلفه فهذه لا يمكن اشتباهها بغيرها أصلًا؛ لا سيما وهو صلى الله عليه وسلم كان إمام الحج الذي لا يصلي لهم سواه، فكيف يدعهم بلا إمام يصلون أفرادًا ولا يقيم لهم من يصلي بهم؟! هذا في غاية البعد.
وأما حديث عائشة فقد فهم منه جماعة -منهم المحب الطبري وغيره- أنه صلى الظهر بمنى، ثم أفاض إلى البيت بعدما صلى الظهر؛ لأنها قالت: (أفاض من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى) ، قالوا: ولعله صلى الظهر بأصحابه، ثم جاء إلى مكة فصلى الظهر بمن لم يصلِّ، كما قال جابر، ثم رجع إلى منى فرأى قومًا لم يصلوا فصلى بهم ثالثة، كما قال ابن عمر، وهذه حرفشة في العلم وطريقة يسلكها القاصرون فيه، وأما فحول أهل العلم فيقطعون ببطلان ذلك، ويحيلون الاختلاف على الوهم والنسيان