(43) عند الأصحاب: إذا حصل للنائب عذر فقد جوزوا له أن يستنيب من يكمل الحج عنه، وقد قالوا في عباراتهم: وتجوز الاستنابة في الحج، وفي بعضها: النفل مطلقًا، والفرض عند العذر، مع أني لم أجد عنهم تصريحًا في بعضيات النسك إلا في الرمي فقط، وأنا ما زالت هذه المسألة من زمان طويل في نفسي؛ لأن الذي وقصته راحلته وهو واقف بعرفة [1] لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا أن ينوب عنه في بقية نسكه.
والمقصود أن كلامهم في هذه المسألة لا تطمئن له النفس، والقول إذا لم يبن للإنسان دليل ظاهر عليه فليس له أن يفتي به، مع أن الذي انعقد في خاطري أن هذا القول مخالف للدليل، ولم أر ما يدل على جوازه. (168)
(44) إذا استأجر من يحج عنه تكون الحجة لمن باشرها وحجها؛ لأن العقد عليها باطل [2] ، وأما صحتها بلا نية له فلأن الحج يخالف غيره في هذه المسألة؛ فإنه إذا نوى من عليه حجة الإسلام أن يحج عن غيره؛ انقلبت عن نفسه، وإذا نوى المفرد والقارن بعد طواف القدوم والسعي التمتع؛ انقلب الإحرام وما بعده من الطواف والسعي للعمرة، فكذلك هذا الذي استأجره غيره إجارة لازمة تبين فسادها، فوقعت لمن باشرها لا لمن نويت له؛ لفساد العقد، ولكن يبقى الكلام على مسألة النفقة؛ فإن كان الأجير الذي باشر الحج عالمًا بفساد العقد وعدم صحته عن غيره، فليس على المؤجر شيء؛ بل النفقة والمصرف على الذي باشر الحج، وإن كان جاهلًا بالحكم كانت إجارة فاسدة، والإجارة الفاسدة يجب فيها أجرة المثل، وهي النفقة والمصرف الذي يحتمله مثله عرفًا، والله أعلم. (171)
(45) إذا رمى عن نفسه وعن الصبي بدأ بالرمي عن نفسه، والأفضل إذا كمل الجمرات الثلاث عن نفسه استأنفها للصبي، فإن وقف عند كل واحدة من الجمار فرماها عن نفسه ثم رماها عن الصبي، فالصحيح أن ذلك جائز،
(1) رواه البخاري (1849) ، ومسلم (1206) .
(2) هذه الصورة غير صورة النائب، بل هو عقد لازم بين طرفين بمقابل مالي معلوم.