فإن من الحكمة في الدولة المسلمة والمسالمة أن يُعمل فيها من خلال المؤسسات الرسمية القائمة فيها، والمؤسسات الشعبية التي تقرها وتعترف بها، ولا يحسن العمل فيها من خلال المؤسسات الأخرى والتنظيمات السرية. التي قد يصلح العمل من خلالها في الدول غير الإسلامية، أو الدول المحاربة للدعوة الإسلامية.
وذلك: لأن من واجب الدعاة تجاه الدولة المسلمة القائمة: المحافظة عليها، والعمل على إصلاحها وتقويتها مهما كانت ضعيفة، أو ظالمة أو فاسقة .. أما واجبهم في حال عدم وجودها: فهو العمل على إيجادها.
والعمل السرّي في الدولة المسلمة مهما كان صالحًا، تزيد سلبياته على إيجابياته، وقد يجر الدعاة إلى مواقف هم في غنىً عنها، ويوقع الأفراد العاملين في ازدواجية السمع والطاعة نحو قياداتهم، وتُفْهَمُ دعوتهم على أنها معارضة ومقاومة للدولة المسلمة، وليست لها ومن أجلها .. فتعمل الدولة المسلمة نفسها على تحجيمها ومحاربتها، بدلًا من دعمها وتقويتها.
وقد أخطأ الحكمة كثيرٌ من الدعاة في هذا الجانب، فصوروا الدعوة الإسلامية بالصورة المعادية للدولة القائمة مهما كان شأنها دون تفريق بين دولة وأخرى، فكثروا بذلك من أعدائهم، وقلّلوا من أصدقائهم، واختاروا العيش بدعوتهم في الظلام، مما نَفَّر منها، وقَلَّل من آثارها في حياة الناس ...
ومما يَجْدُر التنبهُ إليه في هذا المقام: أنَّ الحكمَ على الدولة بكفر أو إسلام، وبِظُلْمٍ أو فِسْق، وبِحَرْبٍ أو مسالمةٍ، وتحديدَ الموقف منها،