ما أغفل هذا الرجل السائل،وما أحسنَ مدْخَلهُ وتقديم اعتذاره بهذا التمهيد لأسئلته التي سألها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،واستحلفه على جواب كل سؤال منها،فقد توثَّق تمام التوثق من صِدق الصادِق المصدوق - صلى الله عليه وسلم -
فلما استوفى أسئلته وأُعطي أجوبتها أعلَن إسلامه،وأنه رسول قومه الذين أوفدوه وهم تبعٌ له،ليعلموا صدق الرسول الداعي للإيمان بما جاء به من عند الله،فيُسلموا،فهم لم يوفدوه عنهم إلاّ وهم على تمام الثقة من رجاحة عقله،وثاقبِ نظرِه،وصادقِ تفرُّسِه،فلله دَرُّهم ودَرُّه،ولذا قال سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما: ما سمِعنا بوافد قوم قطُّ،كان أفضل من ضِمام . وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يقول: ما رأيتُ أحدًا أحسنَ مسأَلةً،ولا أوجَزَ من ضِمام بن ثعلبة . رضي الله عنه وأرضاه .
واسم (ضِمام) مأخوذ من ضِمام الشيء،وهو ما يَشملُه وينطوي عليه . يقال: التقوى ضِمامُ الخير كلِّه .
وعن مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو أَيُّوبَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ فِى سَفَرٍ. فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ أَوْ بِزِمَامِهَا ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ - أَوْ يَا مُحَمَّدُ - أَخْبِرْنِى بِمَا يُقَرِّبُنِى مِنَ الْجَنَّةِ وَمَا يُبَاعِدُنِى مِنَ النَّارِ. قَالَ فَكَفَّ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ نَظَرَ فِى أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ « لَقَدْ وُفِّقَ - أَوْ لَقَدْ هُدِىَ - قَالَ كَيْفَ قُلْتَ » . قَالَ فَأَعَادَ. فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « تَعْبُدُ اللَّهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ وَتُؤْتِى الزَّكَاةَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ دَعِ النَّاقَةَ » . [1]
(بِخِطَامِ نَاقَتِهِ أَوْ بِزِمَامِهَا) قوله (بخطام ناقته) أي ناقةِ النبي - صلى الله عليه وسلم - . والخِطام هو الزِّمامُ،وهو كلُّ ما وُضِع في أنف البعير ليُقْتادَ به .
(فَكَفَّ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - ) أي سكت عن الجواب هُنَيهة .
( نَظَرَ فِى أَصْحَابِهِ) تعجُّبًا من حُسن سؤاله .
( لَقَدْ وُفِّقَ - أَوْ لَقَدْ هُدِىَ ) أي وُفِّق للسؤال عما يَهُمُّه ويحتاج إليه،أو هُدي إلى ذلك بفضل الله تعالى،والشكُّ من الراوي،والمعنى في اللفظين متقارب .
(1) - صحيح مسلم- المكنز - (113 )