إنما قال ذلك لأن الأعرابي كان مُمسكًا بزِمام الناقة ليتمكّن من سؤاله بلا مشقّة،فلما حصل جوابُه قال: دعها . وفي الحديث بيانُ غايةِ تواضُعِه - صلى الله عليه وسلم - للسائل وشفقته عليه،ومع جفائه وتعرُّضه للسؤال في غير وقته .
وعَنْ عَبْدِ اللهِ الْيَشْكُرِيِّ، قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى الْكُوفَةِ لأَجْلِبَ بِغَالًا،قَالَ: فَأَتَيْتُ السُّوقَ وَلَمْ تُقَمْ،قَالَ: قُلْتُ لِصَاحِبٍ لِي: لَوْ دَخَلْنَا الْمَسْجِدَ وَمَوْضِعُهُ يَوْمَئِذٍ فِي أَصْحَابِ التَّمْرِ،فَإِذَا فِيهِ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْمُنْتَفِقِ وَهُوَ يَقُولُ: وُصِفَ لِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَحُلِّيَ،فَطَلَبْتُهُ بِمِنًى فَقِيلَ لِي: هُوَ بِعَرَفَاتٍ،فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ،فَزَاحَمْتُ عَلَيْهِ،فَقِيلَ لِي: إِلَيْكَ عَنْ طَرِيقِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: دَعُوا الرَّجُلَ أَرِبَ مَا لَهُ،قَالَ: فَزَاحَمْتُ عَلَيْهِ حَتَّى خَلَصْتُ إِلَيْهِ،قَالَ: فَأَخَذْتُ بِخِطَامِ رَاحِلَةِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،أَوْ قَالَ زِمَامِهَا هَكَذَا حَدَّثَ مُحَمَّدٌ،حَتَّى اخْتَلَفَتْ أَعْنَاقُ رَاحِلَتَيْنَا،قَالَ: فَمَا يَزَعُنِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،أَوْ قَالَ: مَا غَيَّرَ عَلَيَّ،هَكَذَا حَدَّثَ مُحَمَّدٌ،قَالَ: قُلْتُ: ثِنْتَانِ أَسْأَلُكَ عَنْهُمَا: مَا يُنَجِّينِي مِنَ النَّارِ ؟ وَمَا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ ؟ قَالَ: فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ نَكَسَ رَأْسَهُ،ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ بِوَجْهِهِ قَالَ: لَئِنْ كُنْتَ أَوْجَزْتَ فِي الْمَسْأَلَةِ لَقَدْ أَعْظَمْتَ وَأَطْوَلْتَ،فَاعْقِلْ عَنِّي إِذًا،اعْبُدِ اللَّهَ لاَ تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا،وَأَقِمِ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ،وَأَدِّ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ،وَصُمْ رَمَضَانَ،وَمَا تُحِبُّ أَنْ يَفْعَلَهُ بِكَ النَّاسُ فَافْعَلْهُ بِهِمْ،وَمَا تَكْرَهُ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْكَ النَّاسُ فَذَرِ النَّاسَ مِنْهُ،ثُمَّ قَالَ: خَلِّ سَبِيلَ الرَّاحِلَةِ. [1]
( إِلَيْكَ عَنْ طَرِيقِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ) أي ابعُد عنه . ( فَقَالَ ) أي النبي - صلى الله عليه وسلم - . ( دَعُوا الرَّجُلَ أَرِبَ مَا لَهُ ) قوله (أربٌ) أي الحاجة،و (ما) زائدة،كأنه قال: له حاجةٌ ما . ( فَزَاحَمْتُ عَلَيْهِ حَتَّى خَلَصْتُ إِلَيْهِ ) أي وصلتُ إليه . (فَأَخَذْتُ بِخِطَامِ رَاحِلَةِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،أَوْ قَالَ زِمَامِهَا) يعني فما غَضِب عليَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا غيرُه من أصحابه . وفيه من تواضُع النبي - صلى الله عليه وسلم - وخفضِ جَناحِه للسائل المستفيد ما لا يخفى . ( فَاعْقِلْ عَنِّي إِذًا ) أي فافهم ما أقوله جيِّدًا .
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (8 / 770) (27153) 27694- صحيح