بِكَ،وَهِيَ الَّتِي لاَ نُطِيقُ." [1] "
وأما قوله (إِنِّي لاَحَيْتُ أَبِي،فَأَقْسَمْتُ أَنْ لاَ أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلاَثَ لَيَالٍ) ، ثم قوله بعد ذلك (إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ وَالِدِي غَضَبٌ وَلاَ هَجْرَةٌ ) فهو قول أراد به الوصول إلى مصلحة دينية راجحة، ولذا قال الحافظ في الفتح: الكذب وإن كان قبيحا مخلا، لكنه قد يحسن في مواضع .
وقال ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى الكبرى:"وَبِالْجُمْلَةِ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُظْهِرَ قَوْلًا وَفِعْلًا مَقْصُودُهُ بِهِ مَقْصُودٌ صَالِحٌ،وَإِنْ ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ غَيْرَ مَا قَصَدَ بِهِ إذَا كَانَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ مِثْلُ دَفْعِ ظُلْمٍ عَنْ نَفْسِهِ،أَوْ عَنْ مُسْلِمٍ،أَوْ دَفْعِ الْكُفَّارِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ الِاحْتِيَالِ عَلَى إبْطَالِ حِيلَةٍ مُحَرَّمَةٍ،أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَهَذِهِ حِيلَةٌ جَائِزَةٌ ."
وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ مِثْلُ أَنْ يَقْصِدَ بِالْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ وَنَحْوِهَا غَيْرَ مَا شُرِعَتْ الْعُقُودُ لَهُ ،فَيَصِيرَ مُخَادِعًا لِلَّهِ ،كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ خَادَعَ النَّاسَ وَمَقْصُودُهُ حُصُولُ الشَّيْءِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ لَوْلَا تِلْكَ الْحِيلَةُ وَسُقُوطُ الشَّيْءِ الَّذِي يُوجِبُهُ اللَّهُ تَعَالَى لَوْلَا تِلْكَ الْحِيلَةُ ،كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ مَقْصُودُهُ إظْهَارُ دِينِ اللَّهِ وَدَفْعُ مَعْصِيَةِ اللَّهِ." [2] "
وفي هذه القصة كان الدافع الذي حدا بعبد الله بن عمرو بن العاص إلى أن يقول ما يقول لذلك الصحابي،لكي يعلم السبب الذي من أجله كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول ثلاث مرات:"يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ"،ولا يخفى ما في هذه القصة من أسلوب إثارة وتشويق وهو بين ظاهر .
وعَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ قَالَ: لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حُنَيْنًا - أَوْ قَالَ لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى حُنَيْنٍ - أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ: اللَّهُ أَكْبَرُ،لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ،إِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا،إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ » . قَالَ: وَأَنَا خَلْفَ رَايَةِ
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (4 / 429) (12697) 12727- صحيح
(2) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (5 / 3058) رقم الفتوى 32860 التفسير الشرعي لقول ابن عمرو"إني لاحيت أبي.."والآداب الشرعية - (1 / 26) والفتاوى الكبري لابن تيمية - (9 / 130)