الحديث الآخر"بعثت أنا والساعة كهاتين"الحديث، وزعم بعضهم أنه - صلى الله عليه وسلم - لما قال ذلك استوت إصبعاه في تلك الساعة ثم عادتا إلى حالهما الطبيعية الأصلية تأكيدا لأمر كفالة اليتيم. قلت: ومثل هذا لا يثبت بالاحتمال، ويكفي في إثبات قرب المنزلة من المنزلة أنه ليس بين الوسطى والسبابة إصبع أخرى
قال شيخنا في"شرح الترمذي"لعل الحكمة في كون كافل اليتيم يشبه في دخول الجنة أو شبهت منزلته في الجنة بالقرب من النبي أو منزلة النبي لكون النبي شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم فيكون كافلا لهم ومعلما ومرشدا، وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه بل ولا دنياه، ويرشده ويعلمه ويحسن أدبه، فظهرت مناسبة ذلك اه ملخصا." [1] "
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ [2] : عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، قَالَ: وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ، وَكَانَ عَابِدًا، فَابْتَنَى صَوْمَعَةً [3] فَجَعَلَ يُصَلِّي فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي [4] ، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ ثُمَّ جَاءَتْهُ يَوْمًا آخَرَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَتْهُ يَوْمًا ثَالِثًا فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ:اللهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَرَى أَوْ يَنْظُرَ فِي وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ [5] ، قَالَ: فَذَكَرَ يَوْمًا بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَفَضْلَهُ، فَقَالَتْ: بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنْ شِئْتُمْ"
(1) - فتح الباري لابن حجر - (10 / 436)
(2) ذكر الحافظ ابن حجر في (( فتح الباري ) )6:344 أن هناك غيرَ هؤلاء الثلاثة تكلَّموا في المهد ، كما جاء ذلك في السنّة الثابتة ، وأشار إلى وجهِ التوفيق بين ظاهرِ هذا الحَصْر في الحديث والأحاديث الأخرى ، فراجعه إذا شئت .
(3) الصومعة: البناء المرتفع المحدَّد أعلاه . مأخوذة من صَمَعْتُ إذا دَققتُ ، لأنها دقيقة الرأس .
(4) أي اجتمع عليَّ إجابةُ أمي وإتمام صلاتي ، فوفِّقْني لأفضلهما . قال الحافظ ابن حجر في (( فتح الباري ) )6:345: (( وكلُّ ذلك قاله أي في المرات الثلاث من مُناداةِ أُمِّه حال صلاتِه محمولٌ على أنه قالَهُ في نَفْسِه ، لا أنه نَطَق به ، ويُحتمَلُ أن يكون نَطَق به على ظاهره ، لأن الكلام كان مُباحًا عندهم ، وكذلك كان في صدر الإسلام ) ).
(5) المومسات: الزَّواني المتجاهِراتُ بذلك . وفي رواية ثانية عند مسلم فقالت: اللهم إنَّ هذا جريج وهو ابني ، وإني كلَّمتُه فأبى أن يُكلذِمني ، اللهم فلا تُمِتْهُ حتى تُريَه وجوه المومسات ، قال: ولو دَعَت عليه أن يُفتَنَ لفُتِن! )) . أي لفتن بالزنى أو القتل! ولكن كانت رفيقةً رحيمةً به ، فكانت دَعْوَتُها أن تكون عُقوبتَهُ رؤيةَ وجوهِ الزَّواني فقط ، وما أشدَّها من عقوبة على قلوبِ العابدين الصالحين ، نسألُ الله السلامةَ والعافية .