سيدنا عمر رضي الله عنه أن يكون ابنُه قد قال ما فَهِمَهُ ووقَعَ في نفسه من الصواب .
ووَجْهُ تمنّي عمر رضي الله عنه: ما طُبِعَ الإنسانُ عليه من مَحبّةِ الخير لنفسه ولوَلَدِه ، ولِتَظهَرَ فضيلةُ الولد في الفَهْم من صِغَره ، وليزدادَ من النبي - صلى الله عليه وسلم - حُظوة ، ولعله كان يرجو أن يَدعوَ له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذْ ذاك بالفهم ، كما دعا - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عباس ، لمّا أَدْنى إليه الماءَ إلى بيت الخلاء ، مِن تلقاءِ نفسه دون سابق إشارةٍ منه - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: (( اللهم فَقِّهْهُ في الدّين وعَلِّمْه التأويل ) ). فكان رضي الله عنه كذلك .
فَرَحُ الرجل بإصابةِ ولدِهِ وتوفيقِهِ للصواب .
الإشارةُ إلى حَقارةِ الدنيا في عينِ عمر رضي الله عنه ، لأنه قابل فَهْمَ ابنه لمسألةٍ واحدة بحُمُرِ النَّعَم كما جاء في رواية ، مع عِظَمِ قَدْرِها وغلاءِ ثمنها .
أنه لا يُكْرَهُ للوَلَد أن يُجيب بما عَرَف في حضرةِ أبيه ، وإن لم يَعرفه الأبُّ ، وليس في ذلك إساءةُ أدبٍ عليه .
ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الحياءِ من أكابرهم وأَجِلاّئِهم ، وإمساكُهم عن الكلام بين أيديهم .
وقد أورد الإمامُ ابن فَرْحون هذا الحديث الشريف في كتابه: (( دُرَّةُ الغَوّاص في مُحاضرة الخَواصّ ) )وهو المعروف بأَلغاز ابن فرحون ، ثم قال: (( قال العلماء: وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنه ينبغي للعالم أن يُميِّز أصحابَه بإلغازِ المسائل العَويصات عليهم ، لِيَختبِرَ أذهانَهم ، في كشف المُعْضِلات وإيضاح المُشْكِلات .
وهذا النوع سَمَّتْهُ الفقهاءُ: الألغاز ، وأهلُ الفرائض سَمّوه: المُعاياة ، والنحاةُ يُسمّونه: الأَحاجِيَّ ، وقد ألَّف العلماء في ذلك تصانيف عديدة )) . [1]
فعلى المعلم أن يحسن اختيار المسائل التي يطرحها على طلابه،وكذلك له أن يسمح بالمناقشة بين الطلاب والإدلاء بالآراء ألا ترى إلى قوله: ( فوقع الناس في شجر البوادي ) أن ذلك مشعر بأن الجميع قد ذهبوا في تحليل هذه المعضلة كل مذهب . قال الحافظ:
(1) - انتهى من (( التراتيب الإدارية ) )2:232 للشيخ محدِّث المغرب عبد الحي الكَتّاني رحمه الله تعالى . ...