قوله:"فوقع الناس"أي ذهبت أفكارهم في أشجار البادية، فجعل كل منهم يفسرها بنوع من الأنواع وذهلوا عن النخلة [1] .
والمتأمل في المسألة التي طرحها النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم،يجد أنها قد حفزت هممهم،وبعثتهم على التفكير في الحل،وتلهفت أنفسهم لمعرفة الجواب الصحيح من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما عجزوا عن حله .
أيضًا من الأمور المهمة التي يحسن التفطن لها،أن تكون هذه المسائل تؤصل فكرة معينة أو ترسخ مفهومًا معينًا لدى الطلاب.ولك أن تسأل ما وجه الشبه بين النخلة وبين المسلم،أو ما هي الفائدة المستفادة من هذا السؤال،يبين ذلك الحافظ ابن حجر بقوله:"وبركة النخلة موجودة في جميع أجزائها، مستمرة في جميع أحوالها، فمن حين تطلع إلى أن تيبس تؤكل أنواعا، ثم بعد ذلك ينتفع بجميع أجزائها، حتى النوى في علف الدواب والليف في الحبال وغير ذلك مما لا يخفى، وكذلك بركة المسلم عامة في جميع الأحوال، ونفعه مستمر له ولغيره حتى بعد موته" [2] .
وهذه الطريقة نافعة جدًا إذا أحسن استخدامها واستغلالها،فعلى المعلم أن يبتعد عن صعاب المسائل،وأن لا يكون همه تعجيز المتعلمين وإفحامهم،بل عليه أن يقرب لهم المسألة المطروحة عليهم بقرائن الأحوال وغيرها من الوسائل،لكي تكون عونًا لهم في الاهتداء إلى الجواب الصحيح،ويدل على ذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما طرح عليهم هذه المسألة كان في يديه جمار،ففي إحدى روايات هذا الحديث، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلاَّ حَدِيثًا وَاحِدًا،قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَأُتِىَ بِجُمَّارٍ فَقَالَ: « إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ الْمُسْلِمِ » . فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِىَ النَّخْلَةُ،فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ فَسَكَتُّ،قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: « هِىَ النَّخْلَةُ » [3]
فابن عمر رضي الله عنهما فهم المراد عندما رأى الجمار في يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،ولم يمنعه
(1) - فتح الباري لابن حجر - (1 / 146)
(2) - فتح الباري لابن حجر - (1 / 145)
(3) - صحيح البخارى- المكنز - (72 )