قلت: وجميع ما تقدم من لفظ الخطأ والتوهم والتأديب وغيرهما إنما أحكيه عن قائله ولست راضيا بإطلاقه في حق الصديق، وقيل الخطأ في خلع عثمان لأنه في المنام رأى أنه آخذ بالسبب فانقطع به وذلك يدل على انخلاعه بنفسه، وتفسير أبي بكر بأنه يأخذ به رجل فينقطع به ثم يوصل له، وعثمان قد قتل قهرا ولم يخلع نفسه فالصواب أن يحمل وصله على ولاية غيره، وقيل يحتمل أن يكون ترك إبرار القسم لما يدخل في النفوس لا سيما من الذي انقطع في يده السبب وإن كان وصل" [1] "
"وقال ابن هبيرة: وفي السؤال من أبي بكر أولا وآخرا وجواب النبي - صلى الله عليه وسلم - دلالة على انبساط أبي بكر معه وإدلاله عليه. وفيه أنه لا يعبر الرؤيا إلا عالم ناصح أمين حبيب وفيه أن العابر قد يخطئ وقد يصيب، وأن للعالم بالتعبير أن يسكت عن تعبير الرؤيا أو بعضها عند رجحان الكتمان على الذكر. قال المهلب: ومحله إذا كان في ذلك عموم، فأما لو كانت مخصوصة بواحد مثلا فلا بأس أن يخبره ليعد الصبر ويكون على أهبة من نزول الحادثة. وفيه جواز إظهار العالم ما يحسن من العلم إذا خلصت نيته وأمن العجب، وكلام العالم بالعلم بحضرة من هو أعلم منه إذا أذن له في ذلك صريحا أو ما قام مقامه، ويؤخذ منه جواز مثله في الإفتاء والحكم، وأن للتلميذ أن يقسم على معلمه أن يفيده الحكم." [2]
وهذا الحديث دليل لما قاله العلماء أن إبرار القسم المأمور به ، إنما هو إذا لم تكن في الإبرار مفسدةٌ ،ولا مشقةٌ ظاهرة ، فإن كان لم يؤمر بالإبرار ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَبر قسمَ أبي بكر لما رأى في إبراره من المفسدة [3] .
وهنا يتبين لنا بجلاء تعليق النبي - صلى الله عليه وسلم - على تعبير أبي بكر للرؤيا،وأخبره بأن بعضها صحيح وبعضها خطأ وهذا عين الإنصاف أن تذكر ما في الإجابة من صحة أو خطأ،ثم إن على المعلم أن يبين الخطأ ويوضحه،وفي المثال السابق لم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الخطأ ولم يوضحه لما
(1) - فتح الباري لابن حجر - (12 / 435)
(2) - فتح الباري لابن حجر - (12 / 437)
(3) الرسول المعلم - صلى الله عليه وسلم - وأساليبه في التعليم لأبي غدة - (1 / 119)