الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) [عبس: 1 - 10]
وعَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ مَكْفُوفٌ ، وَهِيَ تُقَطِّعُ لَهُ الأُتْرُجَّ ، وَتُطْعِمُهُ إِيَّاهُ بِالْعَسَلِ ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَتْ: هَذَا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الَّذِي عَاتَبَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيهِ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَتْ: أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَعِنْدَهُ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَيْهِمَا ، فَنَزَلَتْ عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ" [1] "
كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا يُخَاطِبُ أَحَدَ سَادَةِ قُرِيْشٍ ، وَقَدْ طَمِعَ فِي إِسْلاَمِهِ ، فَبَيْنَمَا كَانَ يَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ ، إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَهُوَ رَجُلٌ أَعْمَى ، وَكَانَ أَسْلَمَ ، قَدِيمًا ، وَهَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ ، وَقَدْ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ لِيَسْأَلَهُ عَنْ شَيءٍ ، وَأَلَحَّ عَلَى النَّبِيِّ فِي السُّؤُالِ . وَوَدَّ النَّبِيُّ أَنْ لَوْ كَفَّ ابْنُ أُمْ مَكْتُومٍ ، سَاعَتَهُ تِلْكَ ، لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُتَابِعَةِ حَدِيثِهِ مَعَ ذَلِكَ الرَّجُلِ ، طَمَعًا فِي هِدَايَتِهِ . وَعَبَسَ فِي وَجْهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَعْرَضَ عَنْهُ ، وَأَقْبَلَ عَلَى الآخَرِ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ مُعَاتِبًا رَسُولَهُ الكَرِيمَ .
فَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ ذَلِكَ يَهَشُّ لابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَيَلْقَاهُ بِالعِنَايَةِ والتَّكْرِيمِ وَيَقُولُ لَهُ: أَهْلًا بِمَنْ عَاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي . [2]
وَمَعْنَى الآيَةِ: أَنَّ الرَّسُولَ قَطَّبَ وَجْهَهُ كَارِهًا وَأَعْرَضَ .
لأَنَّ الأعْمَى قَدْ جَاءَهُ يَسْأَلُ عَنْ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ دِينِهِ ، وَقَطَعَ حَدِيثَ الرَّسُولِ ، مَعَ أَنَّهُ بِسَبَبِ عَمَاه يَسْتَحِقُّ مَزِيدًا مِنَ الرِّفْقِ والرَّأْفَةِ ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكَ أَنْ تَخُصَّهُ بِالجَفْوَةِ وَالإِعْرَاضِ؟
وَمَا يُدْرِيكَ حَالَ هَذَا الأَعْمَى؟ فَقَدْ يَتَطَهَّرُ بِمَا يَسْمَعُهُ مِنْكَ ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ .
أَوْ يَتَّعِظُ فَتَنفعُهُ ذِكْرَاكَ وَعِظَتُكَ .
(1) - المستدرك للحاكم ( 6671) صحيح
(2) - انظر سيرة ابن هشام - (1 / 363)