فقايَسَ لهم - صلى الله عليه وسلم - مُقايَسةً عقليةً بين الأمرين،حتى اتَّضح لهم الحكم،وفهِموا ما لم يكن يَدورُ في خَلَدِهم،وهو أنَّ مِثلَ هذا الاستمتاعِ المشروعِ يكون به للمرء أجرٌ وثواب،لما يترتب عليه من الآثار الحسنة .
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ ، أَنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ ، سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ الْبَيْضَاءِ ، بِالسُّلْتِ ، فَقَالَ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ ؟ قَالَ: الْبَيْضَاءُ ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، سُئِلَ عَنْ يَبِسِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ [1] ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ ، إِذَا يَبِسَ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ." [2] "
وهذا الحديث أصل في أبواب كثيرة من مسائل الربا وذلك أن كل شيء من المطعوم مما له نداوة ولجفافه نهاية فانه لا يجوز رطبه بيابسه كالعنب والزبيب واللحم النيء بالقديد ونحوهما ، وكذلك لا يجوز على هذا المعنى منه الرطب بالرطب كالعنب بالعننب والرُطَب بالرطب لأن اعتبار المماثلة إنما يصح فيهما عند أوان الجفاف وهما إذا تناهى جفافهما كانا مختلفين لأن أحدهما قد يكون أرق رقة وأكثر مائية من الآخر ، فالجفاف ينال منه أكثر ويتفاوت مقاديرهما في الكيل عند المماثلة. [3]
وبدَهيٌّ كلَّ البَداهةِ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عالمًا أن الرطب ينقص إذا يبس،فهو يعيشُ في قلب جزيرة العرب بلاد التَّمر والرُّطب،وذلك أمرٌ لا يَخفى على أقلِّ الناس فيها،ولكنه - صلى الله عليه وسلم - سألهم: هل ينقص الرطب إذا يبس؟ ليُنبِّه أصحابه وسامعيه وتابعيه،إلى أنَّ علةَ النَّهي عن بيع الرطب بالتمر،هي نقصه عند يُبسه،فلا يجوز أن يباع هذا بهذا على سبيل التساوي بالكيل،فأشعرَهم بعلةِ الحكم إذْ كان خَفِيًّا عليهم،فكان ذلك قاعدةً في البيوع إلى آخر الزمن . [4]
(1) الرُّطَبُ هو التمر قبل أن يَتمَّ استِواؤُه ويُبسُهُ .
(2) - صحيح ابن حبان - (11 / 378) (5003) صحيح
(3) - معالم السنن للخطابي 288 - (3 / 76)
(4) - الرسول المعلم - صلى الله عليه وسلم - وأساليبه في التعليم لأبي غدة - (1 / 86)