فهرس الكتاب

الصفحة 382 من 537

بَعَث إليه عَمْرو بنَ العاص يَدعوه إلى الإسلام،فقال: (( لقد دَلَّني على هذا النبي الأمي: أنه لا يأمُرُ بخيرٍ إلاّ كان أولَ آخِذٍ به،ولا يَنْهى عن شرٍّ إلاّ كان أولَ تاركٍ له،وأنه يَغلِبُ فلا يَبْطَر،ويُغْلَبُ فلا يُهْجِرُ أي لا يقولُ القبيحَ من الكلام [1] ، وأنه يَفي بالعهد،ويُنجِزُ الوعدَ،وأشهَدُ أنه نبي ) ). انتهى .

وقال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه (الاعتصام) :"وَلَمَّا اسْتَنَارَ قَلْبُهُ وَجَوَارِحُهُ - صلى الله عليه وسلم - وَبَاطِنُهُ وَظَاهِرُهُ بِنُورِ الْحَقِّ عِلْمًا وَعَمَلًا ، صَارَ هُوَ الْهَادِيَ الْأَوَّلَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَالْمُرْشِدَ الْأَعْظَمَ ، حَيْثُ خَصَّهُ اللَّهُ دُونَ الْخَلْقِ بِإِنْزَالِ ذَلِكَ النُّورِ عَلَيْهِ ، وَاصْطَفَاهُ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ كَانَ مِثْلُهُ فِي الْخِلْقَةِ الْبَشَرِيَّةِ اصْطِفَاءً أَوَّلِيًّا ، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ بَشَرًا عَاقِلًا - مَثَلًا - لِاشْتِرَاكِهِ مَعَ غَيْرِهِ فِي هَذِهِ الْأَوْصَافِ ، وَلَا لِكَوْنِهِ مِنْ قُرَيْشٍ - مَثَلًا - دُونَ غَيْرِهِمْ ، وَإِلَّا لَزِمَ ذَلِكَ فِي كُلِّ قُرَشِيٍّ ، وَلَا لِكَوْنِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَلَا لِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا ، وَلَا لِغَيْرِ ذَلِكَ ، بَلْ مِنْ جِهَةِ اخْتِصَاصِهِ بِالْوَحْيِ الَّذِي اسْتَنَارَ بِهِ قَلْبُهُ وَجَوَارِحُهُ فَصَارَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ ، حَتَّى نَزَلَ فِيهِ: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (4) سورة القلم، وَإِنَّمَا كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ لِأَنَّهُ حَكَّمَ الْوَحْيَ عَلَى نَفْسِهِ . حَتَّى صَارَ فِي عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ عَلَى وَفْقِهِ . فَكَانَ الْوَحْيُ حَاكِمًا وَافِقًا قَائِلًا، وَكَانَ هُوَ - صلى الله عليه وسلم - مُذْعِنًا مُلَبِّيًا نِدَاءَهُ وَاقِفًا عِنْدَ حُكْمِهِ، وَهَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ كَانَتْ مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ . إِذْ قَدْ جَاءَ بِالْأَمْرِ وَهُوَ مُؤْتَمَرٌ . وَبِالنَّهْيِ وَهُوَ مُنْتَهٍ . وَبِالْوَعْظِ وَهُوَ مُتَّعِظٌ وَبِالتَّخْوِيفِ وَهُوَ أَوَّلُ الْخَائِفِينَ . وَبِالتَّرْجِيَةِ وَهُوَ سَائِقٌ دَابَّةَ الرَّاجِينَ ."

وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ جَعْلُهُ الشَّرِيعَةَ الْمُنَزَّلَةَ عَلَيْهِ حُجَّةً حَاكِمَةً عَلَيْهِ وَدَلَالَةً لَهُ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي سَارَ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَلِذَلِكَ صَارَ عَبْدَ اللَّهِ حَقًّا . وَهُوَ أَشْرَفُ اسْمٍ تَسَمَّى بِهِ الْعِبَادُ . فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (1) سورة الإسراء، {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } (1) سورة

(1) - ويمكن أن تقرأ: (ويُغلَبُ فلا يُهجَرُ) ، لتآخي السجعتين وزنًا أي لا يُهْجَرُ من أصحابه ليقينهم بصدقِ نُبُوَّتِهِ وأنه بَشَرٌ سَوِيّ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت