فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 537

الفرقان، {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (23) سورة البقرة، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي وَقَعَ مَدْحُهُ فِيهَا بِصِحَّةِ عُبُودِيَّتِهِ .

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَسَائِرُ الْخَلْقِ حَرِيُّونَ بِأَنْ تَكُونَ الشَّرِيعَةُ حُجَّةً حَاكِمَةً عَلَيْهِمْ وَمَنَارًا يَهْتَدُونَ بِهَا إِلَى الْحَقِّ ، وَشَرَفُهُمْ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِحَسَبِ مَا اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ أَحْكَامِهَا وَالْعَمَلِ بِهَا قَوْلًا وَاعْتِقَادًا وَعَمَلًا ، لَا بِحَسَبِ عُقُولِهِمْ فَقَطْ ، وَلَا بِحَسَبِ شَرَفِهِمْ فِي قَوْمِهِمْ فَقَطْ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَثْبَتَ الشَّرَفَ لَا غَيْرَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (13) سورة الحجرات، فَمَنْ كَانَ أَشَدَّ مُحَافَظَةً عَلَى اتِّبَاعِ الشَّرِيعَةِ فَهُوَ أَوْلَى بِالشَّرَفِ وَالْكَرَمِ ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَبْلُغَ فِي الشَّرَفِ مَبْلَغَ الْأَعْلَى فِي اتِّبَاعِهَا ، فَالشَّرَفُ إِذًا إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْمُبَالِغَةِ فِي تَحْكِيمِ الشَّرِيعَةِ . تَفْضِيلُ عُلُومِ الشَّرِيعَةِ عَلَى سَائِرِ الْعُلُومِ" [1] "

وإذْ كان هذا الأسلوب أبرز أساليبِه - صلى الله عليه وسلم - وأكثرَها استعمالًا في تعليماتِه،فأكتفي هنا بذكر نماذجَ من تعليماتِه - صلى الله عليه وسلم - التي تَدخُل في هذا الأسلوب،إذ لا سبيلَ إلى استقصائها [2] :

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ: أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ فِي مَسْجِدِهِ ، وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ ، فَتَخَطَّيْتُ الْقَوْمَ حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ ، تُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، وَهَذَا رِدَاؤُكَ إِلَى جَنْبِكَ ؟ فَقَالَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي: أَرَدْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ أَحْمَقُ مِثْلُكَ فَيَرَانِي كَيْفَ أَصْنَعُ ، فَيَصْنَعُ بِمِثْلِهِ ، أَتَانَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي مَسْجِدِنَا هَذَا ، وَفِي يَدِهِ عُرْجُونُ ابْنِ طَابٍ [3] ، فَرَأَى نُخَامَةً [4] فِي

(1) - الاعتصام للشاطبي - (2 / 854) ط دار ابن عفان

(2) - قد ذكرنا بعضها من قبل

(3) ابنُ طاب: رجل من أهل المدينة ، ينسب إليه نوعٌ من تمرها . ومن عادتهم أنهم ينسبون ألوان التمر كلَّ لون إلى نسبة . والعُرجون هو العود الأصفر العريض الخالي من الرُّطَب إذا يَبِسَ واعوج . وسُمي (عُرْجوناُ) لانعراجه وانعطافه . أي كان بيده - صلى الله عليه وسلم - عود من شجر ذلك التمر .

(4) - النخامة هي: البزْقة تخرجُ من أقصى الحَلْق ، وهي البلغم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت