وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ عَلِّمْنِى شَيْئًا وَلاَ تُكْثِرْ عَلَىَّ لَعَلِّى أَعِيهِ [1] . قَالَ « لاَ تَغْضَبْ » . فَرَدَّدَ ذَلِكَ مِرَارًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ « لاَ تَغْضَبْ » . [2]
قولُه (لا تغضَبْ) قال الخطابي: (( معناه: لا تتعرَّض لأسباب الغَضَب ، وللأمور التي تَجْلِبُ الغضب ، إذ نفسُ الغضب مَطبوعٌ في الإنسان لا يُمكِنُ إخراجُه من جِبِلَّتِه ، أو معناه: لا تفعَلْ ما يأمرُك الغَضبُ ويَحمِلُك عليه من الأقوالِ والأفعال ) ) [3] .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ دُلَّنِى عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ . قَالَ « تَعْبُدُ اللَّهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ ، وَتُؤَدِّى الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ » . قَالَ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا . فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا » . [4]
ومراد الأعرابي أنَّه لا يزيدُ على الصلاة المكتوبة ، والزكاة المفروضة ، وصيام رمضان ، وحجِّ البيت شيئًا من التطوُّع ، ليس مرادُه أنَّه لا يعمل بشيءٍ من شرائعٍ الإسلام وواجباته غير ذلك ، وهذه الأحاديثُ لم يذكر فيها اجتناب المحرَّمات ؛ لأنَّ السائل إنَّما سأله عَنِ الأعمال التي يدخل بها عامِلُها الجنَّة . [5]
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَعْرَابِيَّانِ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَنْ خَيْرُ الرِّجَالِ يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ طَالَ عُمْرُهُ ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ ، وَقَالَ الآخَرُ: إِنَّ شَرَائِعَ
(1) - أي أحفَظُه وأعقِلُه .
(2) - سنن الترمذى- المكنز - (2152 ) هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
(3) - كذا في (( عمدة القاري ) )للبدر العيني 22:164 .
(4) - صحيح البخارى- المكنز - (1397 ) وصحيح مسلم- المكنز - (116 )
هذه الجملة المبشِّرة: (من سرَّه أن ينظر .. فلينظُر إلى هذا) يقولُها بعضُ الناس في بعض الصالحين ، ولكن ينبغي التحفُّظُ من قولها ، لأن فيها الجزم والقطع لمن قيلَتْ فيه بانه من أهل الجنة ، وهذا لا يعلمه إلاّ اللهُ ورسولُه بوحي الله له ، فاقتضى التنبيه . الرسول المعلم - صلى الله عليه وسلم - وأساليبه في التعليم لأبي غدة - (1 / 69)
(5) - جامع العلوم والحكم محقق - (24 / 6)