وعَنْ مَاعِزِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَامِرِيِّ ، أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيَّ ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، حَدِّثْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ ، ثُمَّ اسْتَقِمْ ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، مَا أَكْثَرُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ ؟ فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِلِسَانِ نَفْسِهِ ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا" [1] "
قال القاضي عياض رحمه الله: (("قوله: قُلْ لِي فِي الإِسْلاَمِ قَوْلًا لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ ، أي: علِّمْني قولًا جامعًا لمعاني الإسلام ، واضحًا في نفسه ، بحيثُ لا يحتاجُ إلى تفسيرِ غيرك ، أعمَلُ عليه ، وأكتفي به ؛ وهذا نحوٌ ممَّا قال له الآخر: عَلِّمْنِي شَيْئًا أَعِيشُ بِهِ فِي النَّاسِ ، وَلاَ تُكْثِرْ عَلَيَّ فَأَنْسَى ، فَقَالَ: لاَ تَغْضَبْ."
وهذا الجوابُ ، وجوابُهُ بقوله: قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ ، ثُمَّ اسْتَقِمْ: دليلٌ على أنَّ النبيَّ ِ - صلى الله عليه وسلم - أُوتِيَ جوامعَ الكَلِمِ ، واختُصِرَ له القول اختصارًا ؛ كما قاله النبيُّ ِ - صلى الله عليه وسلم - مُخْبِرًا بذلك عن نفسه ؛ فإنّه ِ - صلى الله عليه وسلم - جمَعَ لهذا السائلِ في هاتَيْن الكلمتَيْن معانيَ الإسلام والإيمانِ كلَّها ؛ فإنَّه أمره أن يجدِّدَ إيمانَهُ متذكِّرًا بقلبه ، وذاكرًا بلسانه.
ويقتضي هذا استحضارَ تفصيلِ معاني الإيمانِ الشرعيِّ بقلبه - التي تقدَّم ذكرُهَا في حديثِ جبريل عليه السلام - وأَمْرِهِ بالاِستقامةِ على أعمال الطاعاتْ ، والانتهاءِ عن جميع المخالفاتْ ؛ إذْ لا تتأتَّى الاستقامةُ مع شيء من الاعوجاج ، فإنَّها ضِدُّه.
وكأنَّ هذا القولَ منتزَعٌ من قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (13) سورة الأحقاف
أي: آمَنُوا باللهِ ووحَّدوه ، ثم استقاموا على ذلك وعلى طاعتِهِ إلى أن تُوُفُّوا عليها ؛ كما قال عمرُ بنُ الخَطَّاب رضى الله عنه: استَقَامُوا واللهِ على طاعتِهِ ، ولم يَرُوغُوا رَوَغَانَ الثعالب ، وملخَّصُهُ: اعتَدَلُوا على طاعة الله تعالى ، عَقْدًا وقولًا وفعلًا ، وداموا على ذلك إلى الوفاة." )) [2] "
(1) - صحيح ابن حبان - (13 / 9) (5702) صحيح
(2) - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - (1 / 137)