وجمَعَ له بين الإطعامِ والإفشاء ؛ لاجتماعهما في استلزام المحبَّةِ الدينيَّة ، والأُلْفةِ الإسلاميَّة ؛ كما قال ِ - صلى الله عليه وسلم -: أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ.
وفيه: دليلٌ على أنَّ السلام لا يُقْصَرُ على من يُعْرَفُ ، بل على المسلمين كافَّة ؛ لأنّه كما قال ِ - صلى الله عليه وسلم -: السَّلاَمُ شِعَارٌ لِمِلَّتِنَا ، وَأَمَانٌ لِذِمَّتِنَا ." [1] "
وعَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ، أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ ؟ قَالَ: أَنْ يَسْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِكَ وَيَدِكَ ، أَوْ قَالَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ، فَأَيُّ الشُّهَدَاءِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ: أَنْ يُعْقَرَ جَوَادُكَ وَيُهْرَاقَ دَمُكَ قَالَ: فَأَيُّ الصَّلاَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ: طُولُ الْقُنُوتِ." [2] "
قال القرطبي:"قوله: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ ؟ فقَالَ: مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، هذا السؤالُ غيرُ السؤالِ الأوَّل وإن اتَّحَدَ لفظهما ؛ بدليلِ افتراق الجواب ، وكأنَّه ِ - صلى الله عليه وسلم - فَهِمَ عن هذا السائلِ أنّه سأل عن أحقِّ المسلمين باسم الخيريَّة وبالأفضليَّة ، وفَهِمَ عن الأوَّل أنَّه سَأَلَ عن أحقِّ خصالِ الإسلامِ بالأفضليَّة ، فأجاب كُلاًّ منهما بما يليقُ بسؤاله ، والله تعالى أعلم ، وهذا أولى مِنْ أن نقول: الخبران واحد ، وإنَّما بعضُ الرواة تسامَحَ ؛ لأنَّ هذا التقديرَ يرفَعُ الثقةَ بأخبارِ الأئمَّةِ الحفَّاظِ العدول ، مع وجودِ مندوحةٍ عن ذلك."
وقوله: الْمُسْلِمُ: مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، أي: مَنْ كانتْ هذه حالَهُ ، كان أحقَّ بهذا الاسمِ ، وأمكنَهُمْ فيه.
ويبيِّن ذلك: أنَّه لا ينتهي الإنسانُ إلى هذا ، حتَّى يتمكَّنَ خوفُ عقابِ الله سبحانه وتعالى مِنْ قلبه ، ورجاءُ ثوابه ، فيُكْسِبُهُ ذلك وَرَعًا يحمله على ضَبْطِ لسانه ويده ، فلا يتكلَّمُ إلاَّ بما يعنيه ، ولا يفعلُ إلاَّ ما يَسْلَمُ فيه ؛ ومَنْ كان كذلك ، فهو المسلمُ الكامل ، والمتَّقي الفاضل.
(1) - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - (1 / 138)
(2) - مسند الطيالسي - (1886) وصحيح مسلم- المكنز - (171) مختصرا