وفي كُتُب الحديث من أسئلة المُهاجرين والأنصار المُستَوطنين بالمدينة ، وجواب النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها: نظائرُ كثيرةٌ ، وقد سَبَق بعضُها .
وقال الحافظُ ابنُ حجر [1] في شرح هذا الحديث: (( في هذا الحديث بيانُ أن السُّؤالَ عن مثل هذا لم يَدخُل فيما نُهي الصحابةُ عنه ، في قوله تعالى:(لا تَسألوا عن أشياء) ، وفي حديث أنس: (( كنا نُهينا أن نَسألَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن شيء ) ). وقد وقع نحوُ ذلك لغير عائشة ، ففي حديث حفصة أنها لما سَمِعَتْ: (( لا يَدخُل النارَ أحدٌ ممن شَهِدَ بدرًا والحُديبية ) )قالتْ: أليس الله يقول: (وإن منكم إلاّ وارِدُها) فأُجيبت بقوله (ثم نُنجّي الذين اتقوا) الآية .
وسأَل الصحابة لما نَزَلَتْ (الذين آمنوا ولم يَلْبِسوا إيمانهم بظلمٍ) : أيُّنا لم يَظلِمْ نفسه؟ فأجيبوا بأن المراد بالظلم الشِّركُ ...
فيُحمَلُ ما وَرَدَ من ذمِّ من سأل عن المُشكلات على من سأل تعنُّتًا ، كما قال تعالى (فأما الذين في قُلوبِهم زَيغٌ فيتَّبعون ما تَشابَهَ منه ابتغاءَ الفِتنةِ) ، وفي حديث عائشة: (( فإذا رأيتم الذين يَسألون عن ذلك فهم الذين سَمّى الله فاحذروهم ) )، ومِن ثَمَّ أنكَرَ عمر رضي الله تعالى عنه على صَبيغٍ بن عِسْل التميمي لمّا رآه أكثَرَ من السؤال عن مثل ذلك ، وعاقَبَه )) اه .
قوله: (البِرُّ حسنُ الخُلُق) قال العلماء: البر يكون بمعنى الصِّلة وبمعنى اللُّطفِ والمَبَرَّةِ وحُسنِ الصحبةِ والعِشْرةِ ، وبمعنى الطاعة ، وهذه الأمورُ هي مَجامِعُ حُسنِ الخلق .
وقولُه: (حاك في صدرِك) أي تحرَّك فيه وتردَّدَ ، ولم يَنشَرِح له الصدرُ ، وحَصَل في القلب منه الشكُّ وخوفُ كونِه ذنبًا ، [2] قوله: (كَرِهتَ أن يَطَّلِعَ عليه الناسُ) أي وُجوهُ الناس وأماثِلُهم الذين يُستَحْيا منهم ، والمرادُ بالكَراهةِ هنا الكراهةُ الدينيةُ الخارِمةُ للمُروءةِ والدّين ، فخرج العاديةُ ، كمن يَكرَهُ أن يُرى آكلًا لنحو حياءٍ ، وخرج أيضًا
(1) - في (( فتح الباري ) )1:197
(2) - كما في (( شرح صحيح مسلم ) )للنووي 16: 111