وقد نمت إمارتهم نموا عظيما حتى أصبحت طرابلس، في القرن الحادي عشر، أعظم مدينة على طول الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وكانت أساطيلها تنتقل في أنحاء هذا البحر، فهي المنفذ البحري الرئيسي لبلاد الشام، عن طريقه يتم التصدير والاستيراد، وتنقل منتجات الشام والمشرق إلى أوروبا، وإليه تفد من الخارج لتحمل منه إلى سائر بلاد الشام. وكان بنو عمار، وهم مثقلون برد الهجمات الصليبية عليهم من البر والبحر يسيرون أسطولهم التجاري إلى ثغور البحر المتوسط. وظلت طرابلس، ومعها دمشق، تمونان أوروبا حتى أواخر العصور الوسطى بالسكر بجميع أشكاله المعروفة آنذاك وكان التاجر الأوروبي القادم من البندقية أو جنوى يعود إلى بلاده وهو يحمل سلال السكر وأكياسه من طرابلس. وجمع بنو عمار زراعة قصب السكر الذي كان ينمو بغزارة على ضفاف نهر (أبو على) وفي بساتين طرابلس.
وأقاموا المصانع داخل المدينة لعصره وتجفيفه وتصنيعه، بشكل رقائق أو ناعم أو بشكل حلوى، وكان من حسن سياسة بني عمار وصلاح حكمهم أن أثرت المدينة وكانت على أحسن حال اقتصادي حتى خلال الحصار الصليبي لها برا وبحرا، إذ ظلت صامدة تقاتلهم عشر سنين مستعينة بثروتها الداخلية وحسن إدارة اقتصادها.
وعندما أوفد القائد الصليبي ريموند خلال الحصار، وفدا لمفاوضة فخر الملك، ومر الوفد بأسواق طرابلس أدهشه ما رأى من تنوع البضائع ورواج التجارة وعظيم الثروة والرخاء الذي تنعم به المدينة. وقد دفع فخر الملك أثناء الحصار الصليبي إلى جميع المدافعين عن المدينة من الأجناد برا وبحرا رواتب ستة أشهر مقدما، كما كان أثرياء المدينة يشاركون بأموالهم في مقاومة الحصار الاقتصادي الذي فرضه الصليبيون على المدينة.
وكان فخر الملك عمار بن عمار يلقب بملك الساحل.
وإذا كنا نعلم أن الحسن بن عمار هو الذي أرسل، في عهد العزيز بالله، أبا تميم سليمان بن جعفر بن فلاح الكتامي إلى دمشق، وأن أبا تميم هذا أرسل أخاه